لم تعد قضية الهجرة من الريف إلى المدن الكبرى مجرد تحرك طبيعي للسكان بحثا عن فرص العمل، بل أصبحت واحدة من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الدولة المصرية، في ظل ما تسببه من ضغوط متزايدة على المدن والبنية التحتية والخدمات، مقابل تراجع معدلات الإنتاج وفرص التنمية داخل القرى ومن هنا تبرز أهمية توجه الدولة نحو إنشاء مصانع صغيرة ومتوسطة داخل القرى المصرية بمحافظتين بالدلتا والصعيد كمرحلة تجريبية، في إطار مشروع “القرية المنتجة”،بالتعاون بين وزارات التنمية المحلية والبيئة والزراعة والتخطيط والتضامن الاجتماعي، حيث تدرس الدولة إنشاء مصانع متوسطة وصغيرة داخل القرى بهدف تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية وتوفير فرص عمل مباشرة لأبناء الريف، باعتباره رؤية تنموية جديدة تستهدف تحويل الريف من مناطق طاردة للسكان إلى مجتمعات منتجة وقادرة على توفير فرص العمل وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
إن فكرة توطين الصناعة داخل القرى تمثل تحولا مهما في فلسفة التنمية، لأنها تعتمد على الوصول إلى المواطن في مكانه، بدلا من دفعه للهجرة والانتقال إلى المدن بحثا عن مصدر رزق وقد سبق أن خضنا تجربة مشابهة خلال تولينا مسؤولية محافظة القليوبية من خلال مبادرة “وظيفتك جنب بيتك”، والتي استهدفت توفير فرص عمل للشباب داخل نطاق إقامتهم، والحد من الانتقال اليومي والهجرة الداخلية إلى القاهرة الكبرى، وهو ما أثبت أن توفير فرص العمل بالقرب من المواطنين يسهم بصورة مباشرة في تحقيق الاستقرار الاجتماعي وتحسين جودة الحياة، ويعزز ارتباط الشباب ببيئتهم المحلية وأنه حين تتوافر فرص العمل داخل القرية، يصبح الشباب أكثر قدرة على الاستقرار، وتقل معدلات الهجرة الداخلية، كما تتراجع المشكلات الناتجة عن التكدس والعشوائيات والضغط على المرافق والخدمات في المحافظات الكبرى.
إن النجاح الحقيقي لأي خطة تنموية يرتبط بقدرتها على الوصول إلى المواطن في مكانه، وليس انتظار انتقال المواطن إلى مناطق التنمية ولذلك فإن توطين الصناعة داخل الريف المصري يعد نقلة نوعية في الفكر التنموي، لأنه يربط بين الموارد المحلية والعمالة المحلية والأسواق القريبة، بما يخلق دورة اقتصادية متكاملة داخل القرية نفسها كما أن الصناعات الصغيرة والمتوسطة تتميز بقدرتها على التشغيل السريع وانخفاض تكلفتها مقارنة بالمشروعات الكبرى، فضلا عن قدرتها على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب والمرأة الريفية.
إن القرى المصرية تمام مقومات ضخمة لإنجاح هذا التوجه، سواء من حيث الأيدي العاملة أو الحرف التقليدية أو الأنشطة المرتبطة بالإنتاج الزراعي والغذائي، وهناك قرى يمكن أن تتحول إلى مراكز للصناعات الغذائية، وأخرى لصناعة الملابس أو الأثاث أو الصناعات اليدوية، وهو ما يفتح المجال أمام خلق هوية اقتصادية متخصصة لكل قرية وفقا لمواردها وطبيعتها الإنتاجية، وهذا النموذج مطبق في العديد من الدول التي نجحت في تحويل الريف إلى قوة اقتصادية منتجة، وليس مجرد مناطق استهلاكية أو طاردة للسكان.
كما أن مشروع المصانع الصغيرة داخل القرى يتماشى مع توجه الدولة نحو تعزيز المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، باعتبارها العمود الفقري للاقتصادات الحديثة حيث تساهم هذه المشروعات في زيادة معدلات التشغيل وتحسين مستوى الدخول وتحفيز روح ريادة الأعمال، إلى جانب دعم الصناعات المغذية وتقليل الاعتماد على الواردات في بعض القطاعات.
لا شك أن نجاح هذه التجربة يتطلب توافر مجموعة من العوامل الأساسية، في مقدمتها توفير البنية التحتية المناسبة من طرق وكهرباء وخدمات لوجستية، إلى جانب تسهيل إجراءات التمويل ومنح التراخيص، مع تقديم برامج تدريب وتأهيل للشباب تتناسب مع طبيعة الصناعات المستهدفة كذلك يجب أن يكون هناك دور فعال للقطاع الخاص والمجتمع المدني والجامعات في دعم هذه المشروعات وتقديم الخبرات الفنية والتكنولوجية اللازمة.
ومن المهم أيضا ربط هذه المصانع بخطط التسويق والتصدير حتى لا تتحول إلى مشروعات محدودة التأثير. فالإنتاج وحده لا يكفي، وإنما يجب خلق سلاسل قيمة متكاملة تضمن استمرارية التشغيل وتحقيق الربحية ويمكن للدولة أن تلعب دورا محوريا في هذا الملف عبر دعم المعارض الدائمة والتسويق الإلكتروني وربط المنتجين بالأسواق الداخلية والخارجية.
إن تقليل الهجرة من الريف إلى المدن لن يتحقق بالقرارات الإدارية فقط، وإنما من خلال خلق حياة اقتصادية حقيقية داخل القرى تجعل المواطن قادرا على العمل والإنتاج وتحقيق مستوى معيشة مناسب دون الحاجة إلى مغادرة بيئته الأصلية وهذا هو جوهر التنمية المستدامة التي تسعى إليها الدولة المصرية في الجمهورية الجديدة.
وفي تقديري، فإن مشروع “القرية المنتجة” إذا تم تنفيذه بصورة مدروسة، يمكن أن يصبح واحدا من أهم المشروعات القومية القادرة على إعادة رسم الخريطة الاقتصادية والاجتماعية في مصر، لأنه لا يعالج فقط أزمة البطالة والهجرة، وإنما يفتح الباب أمام بناء مجتمع إنتاجي متوازن يحقق التنمية ويعزز الاستقرار ويحافظ على الهوية الريفية المصرية في الوقت نفسه.