عاجل

 

كُنتُ يومئذٍ فتىً قد بدأ يحلم ؛ كُنت أخطو عامي الأول في المعهد العالي للسينما بقسم السيناريو كأنني أدخل معبدًا خفيًّا تُصاغ فيه الأرواح بالحبر والضوء وكان ذلك في مساء أربعاءٍ خريفي من عام ١٩٩٥ عند الرابعة تمامًا حين كانت القاهرة تلبس عباءتها الرمادية ويتساقط على الأرصفة ضوءٌ شاحب يشبه تعب المدن العتيقة .
جلسنا ننتظر في القاعة الصغيرة خمسَةَ أرواحٍ فقط أربعُ فتياتٍ وأنا تتقافز في صدورنا رهبةٌ لا تشبه رهبة الدروس بل رهبة الوقوف على عتبة الأسطورة ؛ كنا نترقّب قدوم وحيد حامد الذي تعاقدت معه إدارة المعهد خبيرًا من الخارج ليدرس دفعتنا مادة «ورشة السيناريو»؛ الاسم الذي بدا لنا آنذاك كأنه بابٌ سحري يُفضي إلى قلب السينما ذاتها.

وفي الموعد المحدد توقفت أمام المبنى سيارة مرسيدس سوداء حديثة الطراز تلمع تحت شمس الخريف وكانت تحمل لوحة معدنية تحمل الرقم ٢٤٢٤ — ملاكي جيزة — وكان هو يقودها بنفسه بملامح رجلٍ يعرف الطريق جيدًا وإلى جواره جلس حارسٌ خاص بوجهٍ جامدٍ كالأبواب الحديدية ؛ دخل الأستاذ القاعة ببطءٍ محسوب لا يستعرض حضور بل يفرضه وحين ألقى السلام خُيّل إلينا أن الجدران نفسها قد انتبهت ؛ ثم وضع حقيبته الـ«سامسونايت» فوق المكتب وفتحها بعناية رجلٍ اعتاد أن يحمل عالمه في حقيبة صغيرة وأخرج منها علبة سجائر «دانهل» زرقاء التقط منها سيجارةً بأصابع تحمل هدوء الكُتّاب وأشعلها بولاعة «رونسون» لامعة ثم أغمض إحدى عينيه قليلًا من اثر الدخان كأنما يتأمل شيئًا لا نراه نحن أو كأنه ينصت لذلك الصوت البعيد الذي لا يسمعه سوى الذين عاشوا طويلًا داخل الحكايات وارتفع الدخان بطيئًا حول رأسه فتبدّى لنا المشهد كله كأنه لقطة افتتاحية لفيلمٍ لن ينتهي أثره أبدًا في الذاكرة الي الآن .. ثم رفع رأسه فجأة، ونفث خيطًا رفيعًا من الدخان قبل أن يبادرنا بصوتٍ أجشّ يحمل نبرة اختبارٍ صارمة:

— مين فيكم ابن محمد عبد المنعم؟!

هبط السؤال فوق القاعة كقطعة حديدٍ باردة ؛ ساد الصمت، صمتٌ ثقيلٌ حتى إنني شعرتُ بأنفاسي تُسمع ولم يجب أحد… حتى أنا !! كرر السؤال لكن هذه المرة وهو ينظر إليّ مباشرة:

— مين فيكم ابن محمد عبد المنعم؟!

عندها ابتلعتُ ارتباكي وقلت:

— أكيد أنا.

مال برأسه قليلًا وارتسم على شفتيه شيءٌ بين الابتسام والاختبار:

— وإيه اللي أكدها؟!

قلتُ وقد دفعتني رعونة الشباب إلى شيءٍ من الجدل:

— حضرتك بتقول ابن محمد عبد المنعم… وبما إن مافيش غيري هنا ولد يبقى أكيد أنا.

ابتسم ابتسامةً خاطفة وقال:

— صح… شوف بقى يا سفسطائي إنت أنا ماليش في الوسايط ولا أحبها… عشان نبقى متفقين من أولها.

أحسستُ بالكلمات تستقر في صدري على نحوٍ لم أفهمه وقتها فسألته بسرعة:

— هو حد كلم حضرتك عني؟!

ردّ بهدوء:

— لأ… وعشان كده حبيت أحط النقط فوق الحروف قبل ما حد يكلمني عن سيادتك !!

ثم أدار وجهه قليلًا بينما بقيتُ أنا غارقًا في دهشتي ؛ فصحيحٌ أن علا الشافعي زميلتنا بالدفعة آنذاك لم يكن وراءها اسمٌ كبير ولا ظلُّ واسطة وصحيحٌ كذلك أن نجلاء كانت تجلس هادئةً كأنها جاءت من بيتٍ عادي لا يعرف أبواب النفوذ… لكن إلى جواري مباشرة كانت تجلس إلهام ابنة الكاتب والشاعر الكبير عبد السلام أمين وأمامنا كانت تجلس رشا ماضي ابنة الكاتبة والناقدة الكبيرة حُسن شاه. فلماذا أنا وحدي إذن؟ ولماذا بدا اسمي دون غيره وكأنه أول امتحان في تلك القاعة؟

كان السؤال ينهش رأسي بينما الأستاذ يواصل تدخين سيجارته في هدوءٍ وتأمل إلى أن عرف — عرضًا — حقيقة إلهام ورشا عندها فقط تغيّر وجهه قليلًا ومال للخلف مطلقًا ابتسامةً خاطفة، ثم قال:

— ضمّي إنتِ وهي على أخوكم… أنا راجل ماليش في الوسايط ..

قالها بخفةٍ بددت شيئًا من التوتر الذي ملأ القاعة قبل دقائق ؛ فانطلقت ضحكاتٌ صغيرة مترددة بينما بقيتُ أنا صامتًا أراقب الرجل الذي جلس أمامنا لا كاتبًا شهيرًا فحسب بل أستاذًا أراد منذ اللحظة الأولى أن يعلن إيمانه بأن الموهبة وحدها هي الطريق الحقيقي داخل هذا العالم القاسي وأن الأسماء مهما كبرت لا تستطيع أن تكتب سطرًا جيدًا بدلًا عن أصحابها.. وللحديث بقية

تم نسخ الرابط