اقتصاديات العالم الناجحة لا تقوم على المصانع الكبرى، بل على الشركات الصغيرة والمتوسطة.
هي التي تبتكر، وتوفر فرص العمل مما يعني هناك سوق نشط للتوظيف والعمل، وتحقيق القيمة المضافة داخل المجتمعات المحلية؛ بمعنى أدق الأقاليم والقرى.
هذه هي رؤية المفكر الدكتور طلال أبوغزالة في تحقيق أفضل معدلات النمو، ويستشهد بأن أكبر عملاق في العالم لنقل الركاب هو شركة لا تمتلك سيارة واحدة، لكنها تستحوذ على أسطول سيارات العالم شرقاً وغرباً.
ويمتد ذلك إلى شركات الذكاء الاصطناعي بما تشمل.
ويرى أن أي دولة لديها طموح في أن تحقق أفضل معدلات النمو، عليها أن تتحول سياستها من دعم المصانع الكبيرة إلى بناء منظومة تمويل وتكنولوجيا للصناعات الصغيرة، من خلال إنشاء حاضنات صناعية، ومناطق إنتاجية متخصصة، وصناديق تمويل بفوائد منخفضة، وربط هذه المشروعات بالسوق العالمي من خلال التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية.
التصنيع الذي لا يستهدف للتصدير، يظل محدود التأثير على الاقتصاد القومي.
ينبغي أن تكون القدرة التصديرية هي مقياس نجاح الصناعة.
كل دولار يدخل من الخارج يضيف إلى القوة الشرائية للعملة الوطنية، ويزيد من تراكم الاحتياطيات.
في رأيي، يجب أن تمتلك مصر استراتيجية تصديرية صناعية تقوم على تحليل الأسواق الخارجية وتوجيه الاستثمار نحو ما يحتاجه العالم لا ما نرغب نحن في إنتاجه.
وهذا يستلزم جهازاً بحثياً متطوراً يرصد الاتجاهات العالمية في الطلب الصناعي، ويحوّلها إلى خطط إنتاج واقعية.
العالم يتغير بسرعة نحو الصناعة النظيفة والاقتصاد الأخضر.
ومن يسبق في هذا المجال سيقود أسواق المستقبل.
إن مصر تمتلك إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية والرياح، مما يؤهلها لتكون قاعدة للصناعات المستدامة التي تعتمد على الطاقة النظيفة وإعادة التدوير.
الصناعة الخضراء ليست مجرد التزام بيئي، بل ميزة تنافسية اقتصادية تفتح أسواق أوروبا وأفريقيا أمام المنتجات المصرية.
ولذلك، يجب دمج معايير الكفاءة البيئية والطاقة النظيفة في كل مشروع صناعي جديد، وربط التمويل الحكومي بالحصول على شهادات الاستدامة.
إن الثورة الصناعية الرابعة ليست حدثاً مستقبلياً، بل واقع يفرض نفسه.
الصناعة الحديثة لا تقوم على الحديد والعمالة فقط، بل على البيانات.
وكل مصنع لا يمتلك نظاماً رقمياً لإدارة الإنتاج والمخزون والجودة هو مصنع خارج الزمن.
ويقترح الدكتور طلال أبوغزالة أن تكمل مصر مهمة التحول الرقمي الصناعي، ويهدف إلى رقمنة 100 ألف منشأة صغيرة ومتوسطة خلال خمس سنوات.
فكل مصنع رقمي قطعاً يضاعف إنتاجيته بنسبة تصل إلى 40%، ويقلل الهدر بما لا يقل عن 20%.
وهذا وحده كفيل بتحقيق قفزة في الناتج الصناعي دون الحاجة إلى توسع مادي.
إن أهم ما يميز الدول الصناعية الكبرى هو أن كل مصنع فيها هو مركز معرفة.
الشركات الكبرى في اليابان وكوريا وألمانيا لا تكتفي بالإنتاج، بل تُخصّص ما بين 3 إلى 5% من إيراداتها للبحث والتطوير.
يجب أن يصبح البحث العلمي جزءاً من الهيكل الإنتاجي نفسه.
وهكذا تتحول الصناعة إلى منظومة تعلم مستمر قادرة على المنافسة عالمياً.
القطاع العام يمتلك البنية، والقطاع الخاص يمتلك الديناميكية، والاثنان معاً يمكن أن يصنعا المعجزة.
نظام شراكة صناعية وطنية يقوم على تكامل الأدوار لا تنافسها.
الدولة تضع الرؤية والسياسات، والقطاع الخاص يُنفذ ويدير بكفاءة، والمجتمع الأكاديمي يُغذّي الصناعة بالمعرفة والابتكار.
إن مصر تمتلك طاقات بشرية مذهلة وشباباً مؤهلاً. وما تحتاجه فقط هو منظومة عمل تُحرّر قدراتهم وتربطهم بالإنتاج الحقيقي.
رؤيتي أن تكون الصناعة المصرية خلال عقد واحد ركيزة للناتج القومي بنسبة لا تقل عن 25%.