لماذا يلبس الحاج الإحرام؟
لماذا يلبس الحاج الإحرام ؟ .. دار الإفتاء : تجرد تام وعبودية خالصة لله
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن ثياب الإحرام مدرسة تربوية عميقة تنزع من النفس كبرياء الدنيا، وتصل القلب بخالقه في تجرد كامل، لتذكر المسلم بأصل خلقته ومآله.
وأكدت دار الإفتاء أن الحج رحلة العمر الروحية، وأن أولى عتبات هذه الرحلة تبدأ بخلع ثياب العادة وارتداء ثياب العبادة، ليتجلى في هذا المشهد العظيم جملة من الحكم والمقاصد الشرعية التي يمكن إجمالها في المحاور التالية:
أولًا: التجرد التام والعبودية المحضة لله تعالى
أوضحت دار الإفتاء أن من حكمة وجوب ملابس الإحرام (الإزار والرداء الأبيضين غير المخيطين للرجال) هي إعلان التجرد التام من زينة الدنيا ومظاهر التفاخر ، فالإنسان في حياته اليومية يستمد أحيانًا هيبته أو مكانته من هيئته وملابسه وماركاتها، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يخلع المرء عنه كل هذه المظاهر الخارجية بمجرد نية الدخول في النسك.
وأضافت دار الإفتاء : "إن وقوف العبد بين يدي ربه بملابس بسيطة لا تميز فيها لأحد عن الآخر، هو إعلان عملي عن العبودية المحضة لله، واستشعار لأن قيمتك الحقيقية عند الله إنما تكون بقلبك وعملك لا بثيابك ولا بمالك".
ثانيًا: ترسيخ مبدأ المساواة والوحدة الإسلامية
أشارت دار الإفتاء إلى أن المظهر الموحد للحجيج وهم يرتدون لباسًا واحدًا، يتلاشى معه أي تمايز طبقي أو عراقي أو قومي. وفي هذا المشهد المهيب يذوب الفارق بين الحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والأبيض والأسود؛ فكلهم يقفون في صعيد واحد، بلباس واحد، ويهتفون بنداء واحد: "لبيك اللهم لبيك" ،مشيرة إلى أن هذا المشهد العظيم يرسخ في وعي الأمة قيم المساواة المطلقة التي جاء بها الإسلام، ويعيد تذكير المسلمين بأنهم أمة واحدة كجسد واحد، لا فضل فيهم لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح.
ثالثًا: التذكير بيوم الحشر والآخرة
وأوضحت ادار الإفتاء إلى أن لباس الإحرام يشبه إلى حد كبير الأكفان التي يُلف بها الإنسان بعد موته عند خروجه من الدنيا. ولذلك فإن ارتدائه في الحج يمثل خطوة تربوية تذكر العبد بيوم القيامة وبعث الخلائق من قبورهم حفاة عراة غرلاً، ليحاسبوا بين يدي الله تعالى.
وتابعت “الإفتاء” : حين يخلع الحاج ثيابه المعتادة ويلبس إزاره ورداءه، فإنه يستحضر في أعماقه مشهد خروجه من الدنيا بلا مال ولا جاه ولا ولد، إلا بعمله. هذا الاستحضار يورث النفس خشوعًا وانكسارًا، ويمد صاحبه بطاقة إيمانية تدفعه للمسارعة في الخيرات والتوبة النصوح، والوقاية من رعونات النفس وعُجبها.
رابعا: ترويض النفس وكسر مألوف العادات
وأوضحت دار الإفتاء أن الحج مبني على مخالفة العادات؛ فالإنسان ألف أن يلبس ما يشاء، ويغطي رأسه، ويتطيب، ويفعل ما بدا له من المباحات، فجاء الإحرام ليحرم عليه مؤقتًا جملة من هذه المباحات (كمحظورات الإحرام من لبس المخيط للرجال، وتغطية الرأس، واستعمال الطيب، والصيد، وغيرها).
هذا الحظر المؤقت -بحسب البيان- ليس تعذيبًا للنفس، بل هو ترويض لها على الصبر والطاعة والامتثال المطلق لأمر الله تعالى، ليتعلم الإنسان كيف يملك زمام نفسه ولا تملكه شهواته وعاداته، وليعلم أن حقيقة السعادة والراحة إنما تكون في رحاب الرضا والامتثال والتعلق بحضرة الجلال الإلهي.
خامسًا: التميز لنساء المسلمين بما يحفظ حشمتهن
وفيما يتعلق بالمرأة، أوضحت دار الإفتاء أن الشريعة الإسلامية الغراء راعت طبيعة المرأة وفطرتها؛ فلم توجب عليها لباسًا مخصصًا كالإزار والرداء، بل جعلت إحرامها في ثيابها العادية التي تعتادها، بشرط أن تكون موافقة للشروط الشرعية من حيث الستر والحشمة، والابتعاد عن الزينة اللافتة ،مع كشف وجهها وكفيها (إلا إذا خشيت الفتنة فلها سدل شيء على وجهها دون انتقاب) ، موضحة أن هذا التيسير يضمن للمرأة أداء المناسك براحة وطمأنينة، مع الحفاظ على كمال سترها وحيائها في هذا المحفل الإيماني العظيم.
منظومة تربوية إلهية متكاملة
وأكدت دار الإفتاء على أن رحلة الحج بجميع تفاصيلها ومناسكها، بدءًا من لباس الإحرام ووصولاً إلى طواف الوداع، هي منظومة تربوية إلهية متكاملة تهدف إلى صياغة الإنسان المسلم من الداخل، وتجديد فطرته، ليعود إلى دياره بعد قبول حجه طاهرًا نقياً من الذنوب والآثام، "كيوم ولدته أمه".

