عاجل

سياسة الأرض المحروقة: إسرائيل تدمر ربع حقول جنوب لبنان وتهجر 78% من المزارعين

جنوب لبنان
جنوب لبنان

كشف تقرير أعدته صحيفة “البايس” الإسبانية عن حجم التدمير في الأراضي الزراعية في جنوب لبنان من جراء آلة الححرب الإسرائيلية، والاحتلال الإسرائيلي لقراه.

وأوضحت الصحيفة، أنه يقف "سليمان زيدوني" كآخر مربي ماشية لبناني صامد على خطوط التماس قبل المنطقة الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، وأمام مزرعته، الواقعة عند منحدرات بلدة القليعة، يمتد "سهل مرجعيون"؛ تلك الرقعة الزراعية الحيوية في جنوب لبنان التي تحولت اليوم إلى منطقة محرمة يمنع الاحتلال الإسرائيلي أي خطوة نحوها. 

وعلى مدار ثلاثة أعوام من القصف والعمليات العسكرية المستمرة، لحقت أضرار بالغة بأكثر من $22\%$ من الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد.

وعلى التلة المقابلة، تلوح بلدة "الخيام" كلوحة رمادية كئيبة من الدمار والخراب، تقع على بعد أربعة كيلومترات فقط من الحدود الإسرائيلية، وتتناقض بقسوة مع خضرة الوادي وزرقة السماء.

 وخلف ظهر زيدوني، تقبع بلدته "القليعة" التي لا تزال متماسكة ومأهولة، حيث يشعر هذا الرجل البالغ من العمر 49 عاماً أن عبء بقاء البلدة يقع بالكامل على عاتقه.

ونقلت الصحيفة عن زيدوني قائلاً : "أنا عصب البقاء في القليعة"ويرى هذا المزارع، وهو الوحيد في المنطقة الذي يواصل إنتاج مشتقات الحليب، بقلق بالغ أن نشاطه بات يمثل أحد آخر الخيوط التي تحمي البلدة المحاطة بأتون الحرب. 

وخلافاً للبلدات المحيطة، لم يفرض الجيش الإسرائيلي تهجيراً قسرياً عشوائياً على القليعة، وهي واحدة من البلدات الحدودية القليلة ذات الأغلبية المسيحية والتي لا يوجد فيها حضور لحزب الله.

ويضيف زيدوني وهو يشير بيده إلى نقطة تفصل مزرعته عن حافة السهل: "هل ترى ذلك الطريق؟ من هناك فصاعداً لا يجرؤ أحد على العبور". 

وكان هذا السهل، الذي يشكل مثلثاً بين القليعة والخيام وبرج الملوك، يعج بالمزارعين صيفاً وشتاءً؛ والآن تحول إلى "منطقة موت" كما تصفه إحدى الساكنات التي رفضت الكشف عن اسمها، مضيفة: "نشاهد أحياناً جرافات الجيش الإسرائيلي تمر ليلاً، لكننا لا نعرف ماذا تفعل".

ويتحدث السكان على وقع دوي انفجارات ضخمة تتردد أصداؤها في الأفق. إنها عمليات التفجير الممنهجة والمسيطر عليها التي ينفذها الجيش الإسرائيلي لمحو $55$ قرية حدودية يحكم السيطرة عليها.

 ووفقاً لتوثيق "المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان" (مؤسسة حكومية)، دمر الاحتلال $10,600$ منزل منذ الإعلان عن الهدنة المفترضة في 17 أبريل الماضي، ولم تقتصر آلة التدمير على الحجر، بل التهمت الغابات والحقول؛ وعن ذلك يقول زيدوني: "لا نسمع الانفجارات فحسب، بل نشعر بالأرض وهي تهتز تحت أقدامنا".

صمود وسط الحصار وشبح الجوع يهدد البلاد

إدراكاً منه لأهمية دورة الإنتاج لإبقاء القليعة مأهولة، يصر زيدوني على مواصلة عمله. وحين عزل الجيش الإسرائيلي المنطقة عبر قصف الجسور لقطع طرق إمداد حزب الله، آثر البقاء في موقعة لتأمين الغذاء لمن لم يغادروا، وللاستمرار في شراء الحليب من المنتجين الآخرين الذين يتساءلون بنبرة يائسة: "لو غادر زيدوني، لمن سنبيع إنتاجنا؟".

لكن الابتسامة لا تخلو من مرارة حين يعترف بأنه اضطر لتقليص الإنتاج، مما جعل عائلات العمال الاثني عشر الذين يوظفهم "يجلسون في منازلهم بلا عمل". 

ومع ذلك، يعد زيدوني من القلائل الذين يواصلون العمل في الجنوب، أحد أكثر المناطق خصوبة في لبنان، حيث تعيل الزراعة أكثر من ثلث السكان.

وقد أدت الهجمات الإسرائيلية، التي أسفرت عن سقوط أكثر من $3,000$ قتيل منذ مارس من العام الماضي وتسببت في نزوح $1.2$ مليون شخص قسراً، إلى طرد $78\%$ من مزارعي الجنوب، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة اللبنانية.

هذا التدمير الممنهج يدفع بالذين كانوا يطعمون لبنان إلى حافة الجوع. وفي أبريل الماضي، حذر "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" (CIF) —وهو نظام دولي مدعوم من الأمم المتحدة— من أن ربع سكان لبنان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وباتوا عاجزين عن تأمين السلع الأساسية.

 وحتى لو عاد الفلاحون إلى أرضهم غداً، فإن القطاع قد أُصيب في مقتله؛ إذ تخطت المساحات الزراعية المتضررة حاجز الـ $56,000$ هكتار (أي ما يعادل $22\%$ من إجمالي الأراضي القابلة للزراعة في لبنان) إذا ما أضيفت مناطق البقاع وبعلبك إلى الجنوب.

ضربة قاضية لقطاع مثقل بالأزمات

يقول جورج شاهين، وهو مزارع مخضرم يتعاون مع منظمة AVSI الدولية لدعم المزارعين: "المزارعون يريدون جني المحاصيل مع بدء موسم الصيف، لكن الجيش الإسرائيلي يمنعهم من الوصول إلى أراضيهم بالرغم من وجود الهدنة". 

يوضح شاهين أن القطاع الزراعي يترنح منذ عام 2019 بفعل انهيار الليرة اللبنانية أمام الدولار وأزمة جائحة كورونا، حتى جاءت الحرب الحالية لتسدد "الضربة القاضية".

منذ أكتوبر 2023، تحول الجنوب إلى ساحة حرب مفتوحة. ويستذكر شاهين بحسرة: "كان المزارعون قد جهزوا الأرض واشتروا البذور والمبيدات، لكن إسرائيل أغلق المعابر والوصول تماماً في 2024". 

ونتيجة لغياب الري، ماتت أشجار الليمون والدراق والأفوكادو، واضطر بعض مربي الماشية إلى بيع ثرواتهم بأسعار بخسة قبل النزوح، حيث باع أحدهم $14$ بقرة قيمتها تزيد عن $43,000$ يورو بمبلغ لم يتجاوز $8,000$ يورو فقط لملّاك في الشمال.

أما من بقيت مواشيهم في العراء، فقد لاقت حتفها؛ وتشير أرقام وزارة الزراعة إلى فقدان ونفوق أكثر من $1.8$ مليون رأس من الماشية والدواجن، وتدمير $29,000$ خلية نحل، وتلف $2,000$ طن من الأسماك.

"الإبادة البيئية": الفوسفور الأبيض والسموم لإنشاء منطقة عازلة

تجاوزت الخسائر البيئية الناتجة عن الهجمات الإسرائيلية حاجز الـ $600$ مليون يورو حتى عام 2025 وفقاً لدراسة شاركت فيها وزارة البيئة اللبنانية، والتي اتهمت إسرائيل صراحة بارتكاب "إبادة بيئية تعمدية" (Ecocide)؛ حيث وثقت الدراسة احتراق $2,154$ هكتاراً من البساتين (منها $814$ هكتاراً من أشجار الزيتون المعمرة) ونحو $500$ هكتار من الغابات الحرشية.

ويرى أحمد بيضون، الباحث في جامعة "ديلفت" للتكنولوجيا في هولندا، أن تدمير الغطاء النباتي يحمل هدفاً عسكرياً واقتصادياً في آن واحد: "إسرائيل تريد منع مقاتلي حزب الله من التخفي، وفي الوقت ذاته تدمير الركيزة الاقتصادية الكبرى للمنطقة لتحويلها إلى أرض محروقة وغير مأهولة".

ويشير بيضون إلى استخدام إسرائيل الممنهج لمادة "الغليفوست" (مبيد أعشاب حارق ومسرطن) بتركيزات تفوق المسموح به بـ $30$ ضعفاً، فضلاً عن سلاحها المفضّل: الفوسفور الأبيض. 

وسجل الباحث $248$ غارة باستخدام الفوسفور الأبيض الحارق الذي تصل درجة حرارته إلى $800$ درجة مئوية بمجرد ملامسته للأكسجين.

وقد نُفذت $98\%$ من هذه الضربات الفوسفورية داخل ما يسمى اليوم بـ "الخط الأصفر" (المنطقة الحدودية التي توغل فيها القوات الإسرائيلية)، وسط تنديد خبراء الأمم المتحدة بممارسات ترقى إلى "التطهير العرقي".

 وتسببت هذه المادة في إصابة المدنيين وحتى عناصر من قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) بحالات اختناق وحروق شديدة المعالم.

وفيما يواصل زيدوني عمله وعينه على سهل مرجعيون الذي يراه يذبل تدريجياً، يبدي رئيس بلدية القليعة، حنا ضاهر (67 عاماً)، مخاوف حقيقية من المستقبل؛ فقد خسرت عائلته آلاف اليوروهات بعدما جرفت القوات الإسرائيلية $600$ شجرة زيتون كان قد زرعها بيده مع والده الراحل عام 1985.

 ويختتم ضاهر حديثه بنبرة تحذيرية: "إذا لم نتمكن من تنظيف الأراضي وإزالة الأعشاب الضارة، فإن الحرائق القادمة مع حر الصيف ستلتهم كل شيء... وحينها، لن يتبقى أي سبب يدفع السكان للبقاء هنا".

تم نسخ الرابط