عاجل

فضيحة جديدة.. سر ارتباط جرائم رئيس الوزراء الإسباني الأسبق بفنزويلا؟

ثاباتيرو
ثاباتيرو

تحول خوسيه لويس رودريجيز ثاباتيرو، رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق بين عامي 2004 و2011، يوم الثلاثاء، إلى أول رئيس تنفيذي سابق في تاريخ الديمقراطية الإسبانية يتم توجيه اتهام رسمي إليه من قِبل القضاء.

وأوضحت صحيفة “البايس” الإسبانية، أنه يخضع الأمين العام الأسبق للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) للتحقيق باعتباره "الزعيم" المفترض لـ "بنية منظمة ومستقرة" مخصصة لاستغلال النفوذ غير القانوني، نشطت على الأقل بين عامي 2020 و2025، واستغلت عائلته وبيئته المقربة لتمرير عمولات غير مشروعة.

استغلال النفوذ وغسيل الأموال

وقد قرر قاضي المحكمة الوطنية، خوسيه لويس كالاما، استدعاءه للإدلاء بأقواله في الثاني من يونيو المقبل، في إطار إجراءات قضائية بتهم "استغلال النفوذ وغسيل الأموال".

 وجاء قرار القاضي حازمًا وصادقًا في كتاباته، مما تسبب في "زلزال سياسي" حقيقي، نظرًا لمكانة ثاباتيرو الذي يعد مرجعية أخلاقية للحزب الحاكم ومحركًا رئيسيًا لمعنويات قواعده الشعبية في الآونة الأخيرة.

وتشير التحقيقات إلى أن ثاباتيرو استغل صديقه المقرب، رجل الأعمال الخبير من مقاطعة أليكانتي "خوليو مارتينيز مارتينيز"، كواجهة لتمرير أموال الشركات التي كانت تسعى وراء نفوذه وحظوته، وهي المبالغ التي يقدرها المحققون بنحو 1.95 مليون يورو لصالح ثاباتيرو.

 ولتحقيق ذلك، أسس الطرفان شركة الاستشارات “Análisis Relevante S.L”، والتي يضعها القاضي في مركز هذه الشبكة كشركة واجهة (تغطية) لتوقيع عقود صياغة تقارير استشارية مع شركات تسعى في الحقيقة إلى استغلال نفوذ رئيس الوزراء الأسبق لتحقيق مآرب اقتصادية، سواء كان ذلك لإنقاذ شركة الطيران "Plus Ultra" أو لتجارة النفط في فنزويلا.

فنزويلا كلمة السر في الإيقاع بـ “ثاباتيرو”

وتقود وحدة مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية التابعة للشرطة الوطنية (UDEF)، بالتعاون مع نيابة مكافحة الفساد، التحقيقات في هذه القضية منذ أواخر عام 2024، بناءً على طلب إنابة قضائية من الادعاء العام السويسري والفرنسي حول عمليات محتملة لغسيل أموال غامضة المصدر قادمة من فنزويلا.

 ووصلت العملية إلى ذروتها يوم الثلاثاء عندما توجه عناصر الأمن إلى منزل رئيس الحكومة الأسبق لتسليمه الاستدعاء القضائي يدًا بيد، بالتزامن مع تفتيش مكتبه الخاص، وشركة التسويق المملوكة لابنتيه (Whathefav S.L.)، بالإضافة إلى شركتين أخرتين مرتبطة بالشبكة.

وقد رفع القاضي كالاما سرية التحقيق في قرار مطول من 85 صفحة، استعرض فيه "أدلة متعددة ومتضافرة" تشير إلى رئيس الوزراء الأسبق وتضعه في "قمة" شبكة يقع "مركز تنسيقها وإدارتها" في مكتبه الخاص الواقع في شارع "فيراز" بمدريد؛ حيث يشير المحققون إلى أن من هناك "كانت تصدر التعليمات، وتصاغ الوثائق، وتدار الاتصالات الحساسة، وتُهندس العمليات المالية والشركاتية".

ويؤكد القاضي وجود "تدخل مباشر" لثاباتيرو في "عمليات دولية ذات قيمة اقتصادية عالية" تتعلق بالمنتجات النفطية، الذهب، الأسهم، والعملات الأجنبية.

 واستند في ذلك إلى رسائل بريد إلكتروني ومحادثات تمت مصادرتها، بالإضافة إلى رسائل مستخرجة من هاتف "رودولفو رييس" (المالك الفنزويلي السابق لشركة Plus Ultra) والتي أمدت بها الولايات المتحدة المحققين الإسبان.

 كما يعيد القاضي بناء جنحة استغلال النفوذ بالاستناد إلى الضغوط التي مارسها ثاباتيرو لتمرير حزمة إنقاذ مالي حكومية بقيمة 53 مليون يورو لصالح شركة الطيران عام 2021، ومساهمته اللاحقة في تأسيس شركة "أوفشور" في دبي لتهريب العمولات المحصلة.

"النواة الاستراتيجية وصانع القرار خلف الستار"

يمنح القرار القضائي خوسيه لويس رودريجيز ثاباتيرو دور "النواة الاستراتيجية ومركز القرار في الشبكة"، على الرغم من أن "قيادته لم تكن تظهر بشكل رسمي أو علني"، متجنبًا "التنفيذ المباشر للمعاملات الأكثر خطورة". 

واستنتج القاضي ذلك من محادثات المتهمين الآخرين الذين كانوا يشيرون إلى رئيس الوزراء الأسبق بعبارات مثل "صاحبنا ثاباتيرو في الخلفية" أو يتحدثون عن "مجموعة ثاباتيرو"، وعبارات أخرى مثل: "ثاباتيرو هو جهة اتصالنا"، و"لا أعلم ما إذا كان من الجيد أن يتحدث ثاباتيرو مع شخص ما في هيئة مساهمات الدولة (SEPI)"، بل إنهم أكدوا في يناير 2021: "غدًا يتدخل ثاباتيرو مباشرة، سيحاول الحصول على التصاريح دون تدخل السفارة الإسبانية".

في المقابل، سارع ثاباتيرو إلى نشر مقطع فيديو نفى فيه بشكل قاطع أي تدخل في عملية الإنقاذ المالي المذكورة أو أي مخالفة في نشاطه الخاص، قائلًا: "أود أن أؤكد بكل حزم أنني لم أقم بأي مسعى أمام أي إدارة عامة أو قطاع عام يتعلق بإنقاذ شركة بلس ألترا، أو أمام أي إدارة أخرى".

ويعد صديق ثاباتيرو، الذي اعتقل في 11 ديسمبر الماضي برفقة مديري شركة الطيران، أحد العناصر الأساسية في هذا اللغز؛ حيث يدير شبكة تضم 39 شركة، من بينها شركة "Análisis Relevante" التي تثير ريبة المحققين لكونها تتلقى التدفقات المالية الأكبر، بإجمالي بلغ 959,798 يورو بين عامي 2020 و2025.

وعلى الرغم من إقرار ثاباتيرو علنًا بأنه شارك في التأسيس الأولي لهذه الشركة الاستشارية بناءً على استشارة صديقه للاستفادة من خبرته الجيوسياسية، فإن التحقيقات أثبتت وجود مجموعة دردشة مشفرة باسم "AR" (تضم ثاباتيرو وصديقه وقيادات بارزة في قطاع الاتصالات)، وهو ما يراه القاضي دليلًا على "مشاركته النشطة والمباشرة" في إدارة القنوات الداخلية للشركة الواجهة.

"هل تعتقد أنه يمكننا طلب المساعدة من ثاباتيرو؟"

يكشف التحقيق بشكل زمني تسلسل الرسائل بين ملاك شركة "Plus Ultra" الفنزويليين ومستشاريهم القانونيين في مدريد إبان فترة جائحة كورونا عام 2020؛ ففي ظل رغبة الشركة في الحصول على المساعدات الحكومية المخصصة لإنقاذ قطاع الطيران والسياحة، بدأت المساعي للوصول إلى مراكز القرار.

وتشير الرسائل إلى أن ملاك الشركة نشطوا مسارين متوازيين: الأول نحو وزير النقل آنذاك "خوسيه لويس أبالوس"، والمسار الثاني هو "مسار ثاباتيرو" الذي حظي بـ "دور هيمن واستحوذ على الأولوية"، وفقًا للقاضي، وهو المسار الذي "سمح لشركة بلس ألترا بتحقيق أهدافها".

ووصل الأمر بمدريري الشركة إلى إرسال رسالة لبنك "سانتاندر" يشيرون فيها إلى أنه "بناءً على تعليمات ثاباتيرو" يطلبون تسهيل قرض مالي. 

وأظهرت الرسائل صراحةً استعداد مسؤولي الشركة لدفع رشاوى وعمولات (تعبيراتهم كانت تشير إلى دفع مبالغ كـ "عضة" أو عمولة مشبوهة)، وبدأت الاتصالات الفعلية مع ثاباتيرو منذ أبريل 2020.

وعلى الرغم من غياب رسائل مباشرة صادرة من هاتف ثاباتيرو نفسه نظراً لقيام وسيطه (خوليو مارتينيز) بمسح كافة المحادثات بانتظام لإبقائه بعيداً عن الأعين، إلا أن القاضي استند إلى عقدين متتاليين كدليل إدانة: عقد استشاري شهري بقيمة 5,000 يورو وقعته شركة الطيران مع الشركة الواجهة، وعقد آخر يمنح شركة الوسيط عمولة بنسبة 1% من قيمة الدعم الحكومي في حال تحققه (أي نحو نصف مليون يورو)، وهو ما تلاقى مع ترتيبات وتنسيق بين سكرتيرة ثاباتيرو ومدير أعمال وسيطه لتأسيس شركة في دبي تحمل اسم "Landside"، والتي يعتقد القاضي أن العمولات هُرِّبت إليها بالكامل لعدم وجود أثر لها في إسبانيا.

أموال في حسابات العائلة وعقود نفطية مشبوهة

لم تقتصر حركة الأموال على حسابات ثاباتيرو الشخصية؛ إذ كشفت التحقيقات أن شركة التسويق الرقمي المملوكة لابنتيه (Whathefav S.L.) تلقت تدفقات مالية معتبرة من الشركة الواجهة "Análisis Relevante". 

فمن بين الأموال التي دارت في فلك الشبكة، حوِل مبلغ 418,000 يورو مباشرة إلى ثاباتيرو، في حين نالت شركة ابنتيه 242,423 يورو تحت غطاء خدمات وتدفقات مالية مشبوهة.

محادثات ديلسي رودريجيز ووزير النفط

علاوة على ذلك، يمتد التحقيق ليربط الشبكة بعمليات مشبوهة أخرى تتجاوز شركة الطيران لتصل إلى كراكاس؛ إذ رصدت وحدة مكافحة الجرائم الاقتصادية شركات فنزويلية أخرى ضخت ملايين اليوروهات في حسابات الشركات المرتبطة بثاباتيرو (مثل Análisis Relevante وWhathefav ومركز Gate Center البحثي المرتبط به)، تحت مسمى "توسيع رأس المال" أو "استشارات دولية تفتقر لأي مضمون حقيقي".

وتكشف الرسائل المضبوطة في هواتف الجناة عن تنسيق لرحلات عاجلة إلى فنزويلا للقاء مسؤولين رفيعي المستوى (من بينهم من يعتقد أنها ديلسي رودريجيز ووزير النفط الفنزويلي)، للدخول في عمليات وسيطة لشراء وبيع النفط الخام والذهب والعملات، وهي عمليات يصفها القاضي بأنها "تتجاوز بشكل صارخ قدرات ووظائف أي رجل أعمال اعتيادي، وتتداخل في قضايا دولة من الطراز الأول لا علاقة لها بالنشاط التجاري الطبيعي".

تم نسخ الرابط