عاجل

أسرار «مدرسة المشاغبين».. كيف صنع الارتجال نجومية عادل إمام وأنقذ مدبولي؟

مدرسة المشاغبين
مدرسة المشاغبين

لم تكن مسرحية مدرسة المشاغبين مجرد عرض كوميدي عابر، بل كانت لحظة فاصلة في تاريخ المسرح المصري والعربي، صنعت جيلا كاملا من النجوم، وفتحت الباب أمام شكل جديد من الكوميديا يعتمد على الارتجال وخفة الظل وتفاعل الممثل مع الجمهور.

وفي مذكراته «مع خالص تحياتي»، يكشف الفنان الكبير عبد المنعم مدبولي، التي حررها الدكتور محمد سعيد محفوظ، أسرارا وكواليس مثيرة من رحلة المسرحية الأشهر في السبعينيات.


يقول مدبولي إن البروفات الأولى للمسرحية داخل فرقة «الفنانين المتحدين» لم تكن تبشر بالنجاح الساحق الذي تحقق لاحقا، فالعرض في بدايته كان يواجه ضحكا محدودا من الجمهور، رغم وجود أسماء شابة لامعة مثل محمد صبحي وسعيد صالح وأحمد زكي ويونس شلبي وهادي الجيار، إلى جانب نجوم كبار مثل حسن مصطفى ونظيم شعراوي.


لكن التحول الحقيقي بدأ عندما منح الممثلون أنفسهم مساحة للارتجال، دون الخروج عن روح الشخصيات أو سياق النص الذي أعده علي سالم وأخرجه جلال الشرقاوي. وهنا بدأت «المباراة الكوميدية» الشهيرة بين عادل إمام وسعيد صالح، قبل أن يدخل يونس شلبي بقوة إلى المشهد، ليصنع لنفسه شخصية مستقلة أصبحت لاحقا واحدة من أشهر الشخصيات الكوميدية في تاريخ المسرح.


ويؤكد مدبولي أن سر نجاح «المشاغبين» لم يكن النص وحده، بل قدرة كل ممثل على اكتشاف تفاصيل شخصيته وتطويرها أمام الجمهور ليلة بعد أخرى، مشيدا بذكاء عادل إمام في إضافة الإفيهات والأداء الهادئ، وبموهبة سعيد صالح في صناعة الضحك التلقائي.


أما أحمد زكي، فكانت معاناته مختلفة تماما، فقد لعب دورا إنسانيا مؤثرا لابن الخادمة التي تعمل بمنزل الناظر، وهو ما حرمه من الدخول في «وصلة الارتجال الكوميدي» التي تصدرها زملاؤه.


ويكشف مدبولي عن لحظة إنسانية مؤثرة، حين جاءه أحمد زكي خلال البروفات قائلا: «أنا حاسس إني متكتف». وقتها حاول مدبولي تهدئته، وأقنعه بالالتزام بحدود الشخصية، لكنه تعاطف معه فنيا، وقرر التدخل لإثراء المشهد.


وبحسب روايته، اتفق مع الفرقة الموسيقية على عزف لحن حزين أثناء الحوار الطويل بين أحمد زكي والناظر، وهو ما منح المشهد بعدا عاطفيا مؤثرا جعل الجمهور يصفق بحرارة، رغم اعترافه بأن هذا التدخل لم يكن من اختصاصه كممثل، بل كان بدافع دعمه لموهبة رأى فيها شيئا استثنائيا.


وعلى الجانب الآخر، يرى مدبولي أن الفنان هادي الجيار لم يحصل داخل المسرحية على مساحة حقيقية تسمح له بإبراز موهبته، بسبب ضعف كتابة الشخصية، لكنه استطاع لاحقا أن يثبت نفسه في الدراما التليفزيونية كأحد الممثلين القادرين على أداء الأدوار المركبة باقتدار.


نجاح «مدرسة المشاغبين» تجاوز حدود مصر سريعا، بعدما تعاقدت الفرقة على تقديم العرض في بيروت على مسرح بيكاديللي الشهير، الذي كانت تقدم عليه الفنانة فيروز أعمالها الغنائية مع الأخوين رحباني، وهناك فوجئ أعضاء الفرقة باستقبال استثنائي من الوسط الفني اللبناني، خاصة من الفنان الكوميدي اللبناني شوشو، الذي خصص سيارة خاصة لعبد المنعم مدبولي طوال فترة إقامته.


ومن أكثر المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرة مدبولي، حضور فيروز وزوجها عاصي الرحباني أحد عروض المسرحية، رغم معاناة الرحباني من المرض آنذاك. ويقول إن الطبيب المعالج طلب من عاصي مغادرة المسرح بعد الفصل الأول حفاظا على صحته، لكنه رفض احتراما للفنانين على خشبة المسرح، وأصر على متابعة العرض حتى النهاية.


ورغم النجاح الجماهيري الكاسح للمسرحية على المسرح وفي التليفزيون لاحقا، فإن النسخة السينمائية التي أخرجها حسام الدين مصطفى عام 1973 لم تحقق النجاح نفسه، وهو ما أرجعه مدبولي إلى عدم الاستعانة بأبطال المسرحية الأصليين.


وفي نهاية الفصل، يفتح مدبولي الباب لفصل جديد من رحلته المسرحية، عبر انتقاله إلى مسرحية الملاك الأزرق مع فرقة الريحاني، قبل أن يخوض تجربة أخرى في «أولاد علي بمبة»، المأخوذة عن أعمال الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، مؤكدا أن المسرح في تلك الفترة كان يعيش حالة من الشغف والتجريب وصناعة النجوم، ربما لن تتكرر بنفس الزخم مرة أخرى.

تم نسخ الرابط