عاجل

قواعد إسرائيلية في صحراء العراق.. تفاصيل الحرب السرية بين تل أبيب وطهران؟|خاص

صحراء العراق
صحراء العراق

في تطور يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة بشأن طبيعة الصراع الخفي في الشرق الأوسط، تصاعدت خلال الفترة الأخيرة تقارير أمريكية وإقليمية تتحدث عن وجود مراكز عمليات أو قواعد إسرائيلية غير معلنة داخل الأراضي العراقية، إحداها في صحراء النجف والأخرى غرب البلاد، وسط مزاعم باستخدام هذه المواقع في عمليات مرتبطة بالمواجهة بين إسرائيل وإيران، سواء خلال الحرب الأخيرة أو خلال ما عُرف بـ«حرب الـ12 يومًا» في يونيو 2025.

وتعيد هذه التقارير إلى الواجهة ملف التحولات الأمنية المعقدة داخل العراق، الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى ساحة مفتوحة لتشابك النفوذ الإقليمي والدولي، في ظل هشاشة أمنية وتعدد مراكز القوة المسلحة، الأمر الذي عزز الحديث عن وجود “حروب ظل” تُدار بعيدًا عن الأطر العسكرية التقليدية، عبر شبكات استخباراتية وتحركات منخفضة البصمة يصعب تتبعها أو إثباتها بصورة مباشرة.

في البداية أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية أن ما يُثار بشأن وجود قواعد أو مراكز عمليات إسرائيلية داخل الأراضي العراقية يعكس مرحلة شديدة الخطورة في مسار التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، مشيرًا إلى أن ذلك يكشف حجم التآكل الذي أصاب مفهوم الدولة الوطنية في بعض الدول التي تحولت بفعل الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية إلى ساحات مفتوحة لحروب الظل والعمليات الاستخباراتية المعقدة.

درجة عالية التعقيد في إدارة الصراعات داخل الشرق الأوسط

وأوضح فرحات في تصريحات خاصة أن القضية لا تتعلق فقط بوجود نقاط ارتكاز عسكرية أو استخباراتية سرية، وإنما ترتبط بمشهد إقليمي أوسع يتسم بتصاعد نفوذ الفاعلين غير الرسميين، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية داخل مناطق النزاع، وهو ما يعكس درجة عالية من التعقيد في إدارة الصراعات داخل الشرق الأوسط.

وأضاف أن العراق منذ عام 2003 دخل في مرحلة من التفكك الاستراتيجي العميق، نتيجة انهيار جزء كبير من بنية الدولة المركزية، وتراجع قدرة المؤسسات الوطنية على احتكار أدوات القوة والسيطرة الأمنية، الأمر الذي أتاح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لإدارة صراعاتها فوق الأراضي العراقية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وأكد أستاذ العلوم السياسية أن ما يحدث في العراق يعكس تحولًا خطيرًا في طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، حيث لم تعد المواجهات تعتمد فقط على الجيوش النظامية، بل أصبحت تُدار عبر شبكات استخباراتية، وقواعد لوجستية خفية، وعمليات دقيقة عابرة للحدود، تستفيد من هشاشة الدول والانقسامات الداخلية لإعادة رسم خرائط النفوذ والتوازنات الإقليمية.

إسرائيل تتبنى منذ سنوات استراتيجية تقوم على توسيع نطاق عملها الأمني والاستخباراتي 

وأوضح أن إسرائيل تتبنى منذ سنوات استراتيجية تقوم على توسيع نطاق عملها الأمني والاستخباراتي خارج حدودها التقليدية، عبر إنشاء نقاط ارتكاز مرنة داخل مناطق التوتر، بما يسمح لها بتنفيذ عمليات نوعية ومراقبة التحركات الإقليمية في عمق الدول المحيطة، مشيرًا إلى أن استخدام مواقع داخل العراق في عمليات مرتبطة بالصراع مع إيران يكشف حجم التعقيد الذي وصلت إليه معادلات الأمن الإقليمي.

ولفت إلى أن أخطر ما في المشهد الحالي هو تحول بعض الدول العربية إلى مساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، في ظل غياب مشروع عربي موحد قادر على حماية الأمن القومي الجماعي واحتواء التدخلات الخارجية التي تستغل الانقسامات والصراعات الداخلية لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.

وأشار فرحات إلى أن ما يُطرح بشأن وجود قواعد أو مراكز عمليات إسرائيلية لا ينبغي أن يُفهم بالمعنى التقليدي للانتشار العسكري المعلن، بل في إطار مفهوم “الوجود غير المرئي”، الذي يعتمد على شبكات استخباراتية مرنة، وأنشطة لوجستية غير مباشرة، وتحركات منخفضة البصمة يصعب رصدها أو إثباتها بشكل فوري، في ظل بيئة أمنية هشة وتعدد الفاعلين داخل بعض الدول.

وشدد على أن استقرار العراق لم يعد قضية داخلية تخص الدولة العراقية وحدها، بل أصبح ركيزة أساسية في معادلة الأمن القومي العربي، نظرًا لما يمثله من ثقل جغرافي وسياسي واستراتيجي بالغ التأثير في توازنات المنطقة.

وحذر من أن استمرار حالة الهشاشة الأمنية وغياب السيطرة الكاملة للدولة على جميع أراضيها يفتح الباب أمام مزيد من الاختراقات والعمليات السرية، التي قد تدفع المنطقة بأسرها نحو موجات جديدة من الفوضى والتصعيد والصدامات غير المباشرة.

من جانبه قال السفير معتز أحمدين، مندوب مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة، أن الحديث عن  وجود قواعد عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، تقع في مناطق صحراوية غرب البلاد، من بينها صحراء النجف فإن ذلك لا يعني أن هذه المواقع لا تُعد قواعد تقليدية بالمعنى المعروف، وإنما أقرب إلى “معسكرات مؤقتة” يتم إنشاؤها في مناطق معزولة داخل دول مثل العراق، وقد تستمر لفترات متفاوتة قد تمتد لأشهر ، مشيرًا إلى أن ما يتم تداوله يتحدث عن تنفيذ ذلك في إطار تنسيق أو تواطؤ مع الولايات المتحدة.

كيفية اكتشاف القواعد الإسرائيلية في العراق

وأوضح أحمدين في تصريحات خاصة أن هذه المواقع  تستخدم لأغراض متعددة من بينها الرصد الجوي ومتابعة الأجواء، محذرًا من الاقتراب منها، ومشيرًا إلى أنها “تقوم بمهام تتعلق بالتعرف على ما يدور في الأجواء”

وفي سياق حديثه، لفت أحمدين إلى رواية تتعلق بكيفية اكتشاف أحد هذه المواقع، موضحًا أن أحد المدنيين من البدو في المناطق الصحراوية رصد تحركات غير طبيعية أثناء تنقله للحصول على المؤن، قبل أن يتعرض لهجوم بطائرات مروحية ومسيرات، ما أدى إلى إحراق شاحنة كان يستقلها في منطقة معزولة بالصحراء العراقية.

وقال: عندما اكتشفها أحد البدو الذين يقطنون في مناطق قريبة من الصحراء، وكان يقوم برحلات من أجل الحصول على المؤن والسلع اللازمة، تم رصده من قبل طائرات هليكوبتر إسرائيلية ومسيرات، وتم إحراق الشاحنة بصاحبها في منطقة معزولة من الصحراء العراقية؟

وأضاف أن هذا الشخص كان قد أبلغ السلطات العراقية قبل الحادث بفترة قصيرة بوجود نشاط عسكري غير طبيعي في المنطقة، إلا أن الاتصال به انقطع لاحقًا، على حد قوله.

وتابع: كان قد أبلغ قبلها بقليل السلطات العراقية بوجود نشاط غير طبيعي لعسكريين مجهولين قرب المنطقة التي يمر فيها، وبعدها فقدت أسرته الاتصال به”، مشيرًا إلى أن القوات العراقية التي حاولت التحرك نحو الموقع تعرضت لاستهدافات أدت إلى سقوط قتلى وجرحى، ما دفعها إلى التراجع.

الولايات المتحدة رفضت التعليق على هذه الأنباء

وفيما يتعلق بالموقف الدولي، قال أحمدين إن الولايات المتحدة رفضت التعليق على هذه الأنباء، وأحالت الأسئلة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لم يصدر أي رد رسمي، مشيرًا إلى أن التطورات الأخيرة تعكس استمرار حالة التوتر والتداخلات الإقليمية داخل العراق، وبعض العمليات العسكرية التي شهدها إقليم كردستان خلال الفترة الماضية نُفذت بدعوى استهداف مواقع مرتبطة بالمخابرات الإسرائيلية، رغم نفي السلطات المحلية لذلك.

وشدد على أن المشهد في العراق يعكس استمرار تدخلات خارجية في شؤونه الداخلية، رغم مرور أكثر من 20 عامًا على الغزو الأمريكي وسقوط النظام السابق، معتبرًا أن العراق ما يزال ساحة مفتوحة لتداخلات وصراعات إقليمية ودولية متعددة الأطراف.

تم نسخ الرابط