عاجل

زيارة عقيلة صالح للقاهرة.. كيف تعيد مصر رسم معادلة الاستقرار في ليبيا؟|خاص

رئيس مجلس النواب
رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح

في لحظة تشهد فيها الساحة الليبية تحركات سياسية متسارعة ومحاولات متجددة لإعادة تثبيت الاستقرار، تأتي زيارة رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح إلى مجلس النواب المصري برئاسة المستشار هشام بدوي، لحضور الجلسة العامة المقرر عقدها الاثنين، كرسالة سياسية تعكس عمق التنسيق بين القاهرة وطرابلس، وحجم الرهان الليبي على الدور المصري في حماية وحدة الدولة الليبية ومنع عودتها إلى دوامة الانقسام والفوضى.

في البداية أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن دلالة حديث رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح تحمل رسائل سياسية واستراتيجية مهمة، تعكس حجم الدور الذي باتت تضطلع به الدولة المصرية في الملف الليبي خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن هذا الدور لم يعد يقتصر على مفهوم “حماية الحدود” بالمعنى التقليدي، بل تجاوز ذلك إلى إدارة توازنات المجال الاستراتيجي في ليبيا وامتداداته الإقليمية.

وأوضح البرديسي، في تصريحات خاصة ، أن الدولة المصرية أصبحت طرفًا محوريًا في منع انزلاق ليبيا إلى حالة من التفكك أو التحول إلى نموذج الدولة الميليشياوية، أو أن تصبح ساحة مفتوحة للمرتزقة والجماعات المسلحة وبؤر الصراع الداخلي، مؤكدًا أن التحرك المصري يهدف بشكل أساسي إلى تثبيت مفهوم الدولة الوطنية، ودعم مسار وحدة التراب الليبي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس دستورية ومؤسسية مستقرة.

مصر تتحرك وفق رؤية استراتيجية ممتدة منذ عام 2011 

وأضاف خبير العلاقات الدولية أن توقيت حديث عقيلة صالح يعكس في جوهره إدراكًا متزايدًا لأهمية الدور المصري في هذه المرحلة، لافتًا إلى أن مصر تتحرك وفق رؤية استراتيجية ممتدة منذ عام 2011 وما تلاه من تطورات حادة في المشهد الليبي، حيث لم يتوقف الدور المصري عند حدود الاستجابة للأزمات، بل تطور إلى مسار دائم من الدعم السياسي والأمني والاقتصادي.

وأشار البرديسي إلى أن القاهرة تعمل على أكثر من مسار متوازٍ في الملف الليبي، يشمل التنسيق الأمني لمنع تسرب الفوضى عبر الحدود، والتنسيق السياسي مع مختلف الأطراف الليبية، إضافة إلى دعم المسار البرلماني والمؤسساتي، فضلًا عن الانخراط في جهود إعادة الإعمار باعتبارها أحد أهم أدوات تثبيت الاستقرار على المدى الطويل.

ولفت إلى أن الرؤية المصرية تنطلق من اعتبار أن استقرار ليبيا يمثل جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، نظرًا للترابط الجغرافي المباشر وطول الحدود المشتركة، إضافة إلى ما يمكن أن يترتب على انهيار الدولة الليبية من تداعيات أمنية واقتصادية وإنسانية خطيرة لا تقتصر على الداخل الليبي فقط، وإنما تمتد إلى الإقليم بأكمله.

وشدد البرديسي أن مصر تتحرك أيضًا وفق مفهوم “ضبط الإيقاع الاستراتيجي” في المنطقة، بما يهدف إلى منع تفكك الدول الوطنية، والتصدي لأي محاولات لإعادة إنتاج الفوضى أو تغذية الصراعات الداخلية، مشيرًا إلى أن التحرك المصري في هذا السياق لا يستهدف طرفًا بعينه، وإنما يركز على دعم الاستقرار كخيار استراتيجي شامل.

مصر أثبتت عبر مختلف المحطات أنها شريك أساسي في صناعة الاستقرار داخل ليبيا

وأضاف أن المرحلة الحالية تشهد مستوى متقدمًا من التنسيق المصري مع عدد من القوى الإقليمية والدولية، في إطار مقاربة تقوم على تقليل نقاط التوتر، وتعزيز مسارات الحل السياسي، بما في ذلك وجود تفاهمات واتصالات مع أطراف متعددة، من بينها الجانب التركي، بما يخدم هدف الاستقرار داخل ليبيا.

وشدد خبير العلاقات الدولية على أن مصر أثبتت عبر مختلف المحطات أنها شريك أساسي في صناعة الاستقرار داخل ليبيا، وأن دورها اتسم بالثبات والاستمرارية، وليس بالتحرك الظرفي أو المؤقت، موضحًا أن هذا الدور يعزز من مكانة الدولة المصرية كفاعل إقليمي رئيسي في إدارة الأزمات داخل محيطها الحيوي.

وأضاف على أن ما يجري اليوم يعكس بوضوح أن مصر باتت أحد أهم ضوابط الاستقرار في الإقليم، وأن تحركاتها في الملف الليبي تستهدف في الأساس حماية الدولة الوطنية، والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية، ودعم مسار الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي بما يضمن عدم عودة البلاد إلى دوامة الصراع والانقسام.

من جانبه أكد الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية، أن حديث رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح بشأن الدور المصري في حماية الأمن القومي الليبي والحفاظ على استقرار ليبيا، يعكس بوضوح حجم الثقة التي تحظى بها الدولة المصرية داخل محيطها العربي، والدور التاريخي الذي تقوم به القاهرة في دعم استقرار الدول العربية والحفاظ على وحدة أراضيها.

حرص مصر الدائم على حماية الأمن القومي العربي

وأوضح الرقب، في تصريحات خاصة، أن إشادة عقيلة صالح بالدور المصري واعتبار مصر “نِعم السند” لليبيا، تحمل دلالة سياسية مهمة تؤكد حرص مصر الدائم على حماية الأمن القومي العربي، والعمل المستمر من أجل تحقيق الاستقرار داخل المنطقة العربية، ورفض حالة الفوضى والحروب والصراعات التي شهدتها بعض الدول خلال السنوات الماضية.

وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن مصر، منذ عقود، تتبنى موقفًا ثابتًا يقوم على دعم الدول العربية من المحيط إلى الخليج، انطلاقًا من مسؤوليتها التاريخية والسياسية باعتبارها الدولة الأكبر عربيًا، وصاحبة الثقل السياسي والاستراتيجي في المنطقة، مؤكدًا أن التحركات المصرية دائمًا ما تستهدف دعم استقرار الدول العربية والحفاظ على مؤسساتها الوطنية.

أي تهديد لاستقرار الدول العربية ينعكس بشكل مباشر على أمن واستقرار المنطقة 

وأشار الرقب إلى أن القيادة المصرية تتحرك وفق رؤية تعتبر أن الأمن القومي العربي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، موضحًا أن أي تهديد لاستقرار الدول العربية ينعكس بشكل مباشر على أمن واستقرار المنطقة بأكملها، وهو ما يفسر الاهتمام المصري الكبير بملفات الاستقرار في عدد من الدول العربية وعلى رأسها ليبيا.

ولفت إلى أن تصريحات عقيلة صالح تمثل رسالة واضحة للمجتمع الإقليمي والدولي بأن مصر لا تتحرك بدوافع الهيمنة أو الطمع في مقدرات الدول العربية، وإنما تتحرك انطلاقًا من رؤية داعمة لاستقرار هذه الدول، وحريصة على أن تعيش شعوبها في أمن واستقرار بعيدًا عن الحروب والانقسامات والصراعات المسلحة.

القاهرة لعبت خلال السنوات الماضية دورًا محوريًا في دعم وحدة الدولة الليبية

وأكد الرقب أن القاهرة لعبت خلال السنوات الماضية دورًا محوريًا في دعم وحدة الدولة الليبية، والحفاظ على مؤسساتها، ومنع انزلاقها نحو مزيد من الفوضى، مشيرًا إلى أن التحركات المصرية في الملف الليبي جاءت دائمًا في إطار دعم الحل السياسي والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية ورفض التدخلات التي تهدد استقرار البلاد.

وشدد على أن الموقف المصري تجاه ليبيا يعكس نهجًا ثابتًا في السياسة الخارجية المصرية يقوم على دعم الدولة الوطنية، والحفاظ على وحدة الشعوب العربية، والتصدي لمحاولات نشر الفوضى أو تقسيم الدول، مؤكدًا أن هذا الدور يحظى بتقدير واسع داخل العديد من الدول العربية.

واختتم أستاذ العلوم السياسية تصريحاته بالتأكيد على أن إشادة المسؤولين الليبيين بالدور المصري تعكس نجاح القاهرة في ترسيخ صورة الدولة الداعمة للاستقرار والسلام في المنطقة، وأن مصر ستظل عنصر توازن رئيسيًا في حماية الأمن القومي العربي ودعم استقرار الدول العربية في مواجهة التحديات المختلفة.

تم نسخ الرابط