عاجل

يقول علماء النفس إن معظم المشاكل النفسية التي مرت عليهم والحالات التي تم استعراضها كانت مشاكلها مع الضمير. ومن المعروف أنه في بعض دور المصحات النفسية كتب أحد المرضى على الجدار: "هنا يعيش من تعذبوا بأيدي من يعيشون خارج هذه المدن، هنا الأبرياء وخارج المبنى المجرمون".

في عالمنا هذا يتم عذاب البشر على يد من كانوا منهم وفيهم كما يقال، ولأن الجرح من القريب مؤلم فكذلك الشفاء يكون صعبًا. وعلى مدى صفحات جاوزت المئة، لعالم في علوم النفس والاجتماع روسي الجنسية، تحدث في مؤلفه الرائع عن مصطلح "الضمير"؛ ذلك الجزء الحي في كل مخلوق على وجه الأرض، ذلك الجزء الذي يقول لنا "لا" ونعم في كل مرحلة تستوجب واحدة من هذه الكلمات.

الضمير هو جزء استشعاري في جسم الإنسان يوقظه عند الغفلة ويؤنبه إذا ما ارتكب المعاصي، ويزين له عمله عندما يفعل الحسنات. الضمير عند البشر هو بؤرة النجاة وعصا موسى المنجية من المهالك، العاصمة من الزلل، ولكن هناك من يقوم بعمل تنويم مغناطيسي لضميره حتى يصل به لمرحلة العدم وفقد القدرة على القيام بواجبه المعمول من أجله، وهو التنبيه عند المعاصي والتوجيه نحو الحسنات. هذه العينة من البشر لها مبرراتها والتي تندرج بالطبع تحت ما يعرف باسم "الغاية تبرر الوسيلة"، وأيضًا "تؤخذ الدنيا غلابًا". ومن خلال ما ذكره المؤلف، فيقول إن هذا النوع ألف حياة الغش والخداع والمكر والدهاء لدرجة أنه بات على يقين بصواب أفعاله، وبأن الآخرين هم أهل الضلال والإفك. والغريب أنهم أيضًا يتباهون بأفعالهم الدنيئة، وقد يحكون عنها من قبيل التفاخر والتباهي.

هناك نوع آخر من البشر يوازي هذا النوع وهم أصحاب الضمير الحي الذي لا يغفل له جفن إذا ما رأى خطأ حتى يصححه، ولا إثمًا حتى يقومه ويبتعد عنه، ويبعد عنه كل من سيقع فيه غافلاً أو ذاكرًا.

بين هذين النوعين هناك فئة تعيش في زنزانة سماها علماء النفس بـ "زنزانة الضمير"، وتلك الفئة تشبه إلى حد ما ما ذكره القرآن الكريم عن النفس اللوامة؛ فهم دومًا يحيطون هذا الضمير بزنزانة الخوف والهلع والترقب، ودومًا محاطون بمفهوم "ماذا لو"، ولذلك فتراهم مترددين في أفعالهم، مذبذبين، ودائمًا يُحَمِّلون أنفسهم اللوم على ما يفعلوه مهما كان صائبًا، فهم دومًا يسألون أنفسهم: "كان يجرى ايه لو عملنا كذا أو كذا"؟!

زنزانة الضمير قاسية جدًا على من صنعوها بأنفسهم لأنفسهم، فهم جعلوا من شخصهم حكمًا وجلادًا في نفس ذات الوقت؛ وهم أيضًا يعيشون حالة الخوف من النهاية ومقابلة الخالق، ولذا فتراهم دائمي الاستغفار والتقرب من الله آملين أن تفتح هذه الزنزانة بخير وعلى خير وتكلل أفعالهم بالرضا والقبول.

تبًا للبشر الذين من سوء أفعالهم خلقوا من آخرين نوعًا يعيش ويموت داخل زنزانة الضمير، لمواجهة هؤلاء الذين يعيشون بلا ضمير!!

تم نسخ الرابط