أنا من أسيوط.. وأرتدي الجلابية بفخر، وبالتالي آخر شخص يمكن أن يقبل التقليل من الصعيد أو من لباسه الشعبي. لكن في المقابل، أول شخص يضايقه تحويل الجلابية إلى مشروع تريند موسمي مدفوع بالصوت العالي والكاميرا الأمامية.
فجأة اكتشف بعض صناع المحتوى أن أفضل طريقة لدخول السوشيال ميديا ليست شراء تذكرة سينما… بل شراء “مظلومية”. كاميرا مفتوحة، جلابية مكوية، وصوت غاضب يسأل:
“إيه الجرم اللي عملناه عشان لابسين جلابية؟”
وبعدها مباشرة يبدأ موسم المشاهدات والتعليقات والتحليلات الوطنية وكأننا أمام أزمة دبلوماسية، لا مجموعة شباب كانت رايحة تشوف فيلم وتصور رد الفعل قبل ما تصور شباك التذاكر أصلًا.
المشهد كله كان ناقصه فقط موسيقى حزينة ولقطة Slow Motion أمام بوابة السينما، بينما أحدهم ينظر للسماء وكأنه مُنع من دخول الأمم المتحدة وليس عرض فيلم ساعتين ونصف مع دوبلير ومطاردات.
المضحك أن بعض من تعاملوا مع الواقعة كأنها “معركة تحرير الجلابية”، هم أنفسهم لو عاد التريند الأسبوع المقبل إلى الكافيهات الفاخرة أو الملابس الأوروبية سيظهرون فيها بنفس الحماس الوطني المؤقت.
الحقيقة أن الجلابية الصعيدي أكبر بكثير من أن تتحول إلى إكسسوار محتوى. هي لباس ناس حقيقية؛ فلاحين وتجار وعائلات ورجال كبار تربوا على الهيبة لا على اللايفات المباشرة. ولم يكن أهل الصعيد يومًا بحاجة إلى كاميرا لإثبات قيمتهم.
أنا شخصيًا أرتدي الجلابية أحيانًا، وأعرف جيدًا أنها لا تحتاج لمن يدافع عنها بالصراخ؛ لأنها أصلًا أقدم وأكثر احترامًا من معظم حسابات التيك توك التي تحولت فجأة إلى “مناضلين موسميين”.
نحن لا ننزعج حين يرتدي أحد الجلابية… بل حين يرتديها البعض بنفس طريقة ارتداء “التريند”؛ مرة جلابية، مرة لهجة شعبية، مرة أزمة مفتعلة، وكل موسم له الزي المناسب وعدد المشاهدات المناسب.
باختصار:
الجلابية بريئة… لكن المحتوى متهم مع سبق الإصرار والترصد.