عاجل

اسطفانوس زكي: “إسرائيل” في الكتاب المقدس ليست قضية أرض بل قضية خلاص

الدكتور القس اسطفانوس
الدكتور القس اسطفانوس زكي

قال الدكتور القس اسطفانوس زكي رئيس مجلس المؤسسات التعليمية بالكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر ، أن الكتاب المقدس هو وحي الله المُعلَن للإنسان، أُعطي له لا ليكشف خريطة السياسة العالمية، ولا ليقدِّم تفسيراً مباشراً لأحداث التاريخ العام، بل ليُعلن قصد الله الخلاصي عبر التاريخ. 


وأضاف “زكي” ،  بأن الكتاب المقدس لا يجيب عن سؤال: من يملك الأرض؟، بل عن سؤال أعمق: كيف يخلُص الإنسان؟، محذراً من أن «أخطر ما يمكن أن يُسيء إلى الإيمان المسيحي ليس إنكار الوحي، بل تشويهه بالتأويلات الخاطئة، حين يُنتزَع النص من سياقه الخلاصي ويُسقط على أحداث سياسية متقلبة، فيتحوّل الكتاب المقدس من صوت نبوي يواجه الظلم إلى أداة لتبريره». 

 

قضية إسرائيل تحوّلت إلى إشكالية بسبب المنهج لا النص  


واستطرد “ زكي”  بإن قضية إسرائيل لم تتحول إلى إشكالية لاهوتية بسبب النص الكتابي في ذاته، بل بسبب المنهج الذي قُرئ به هذا النص حين أُخرج من مساره الإعلاني وأُعيد توظيفه توظيفاً سياسياً، فصار التأويل سياسياً لا لاهوتياً، لذلك قبل الحديث عن إسرائيل في العهدين، أو عن الصهيونية كفكر وحركة، لا بد من وضع الأسس التفسيرية التي من دونها يستحيل فهم الكتاب المقدس فهماً أميناً. 
 

 الكتاب المقدس كتاب خلاص لا كتاب سياسة  

وأشار “ زكي” إلي أن الكتاب المقدس كتاب خلاص لا كتاب سياسة، ليس مرجعاً للتاريخ العالمي، ولا دليلاً سياسياً، ولا أداة لتحديد ملكية الأرض. وإذا كان يحتوي على تاريخ، فهو تاريخ إعلان الله للبشر، لا مجرد سرد للأحداث. وأية قراءة سياسية للنص تُفرغه من معناه اللاهوتي، لأن الحدث السياسي متغير، بينما النص الكتابي ثابت.  

 العهد القديم لا يُفهم إلا في ضوء اكتماله في المسيح  


وأوضح “ زكي”  أن العهد القديم لا يُفهم إلا في ضوء اكتماله في المسيح، فالقاعدة الذهبية في التفسير هي أن العهد القديم لا يُقرأ مستقلاً عن الجديد، بل في ضوء اكتماله في عمل المسيح، وصلبه، وقيامته، فهو فيه النعم، وفيه الأمين (2كورنثوس 1: 20). وبالتالي، فأي تفسير يُعيد النبوءات إلى ما قبل الصليب والقيامة، وكأن المسيح لم يأت، هو ارتداد تفسيري.

  الوحي يسير في خط مستقيم نحو غاية واحدة 

 
وتابع “ زكي” : الوحي يسير في خط مستقيم نحو غاية واحدة. والتاريخ الكتابي ليس عشوائياً ولا دائرياً، بل يتحرك نحو ملء الزمان (غلاطية 4: 4). ومع اكتمال الإعلان في المسيح، لا توجد عودة إلى مراحل رمزية تم تجاوزها وأدت دورها في خطة الله».  

النص الواضح يفسِّر النص الغامض  


وشدد على أن «النص الواضح يفسِّر النص الغامض، لذلك، ينبغي ألا تُبنى العقائد الكبرى على الرموز والرؤى، مع تجاهل التعليم الواضح في العهد الجديد».  

النص يُفهم ضمن سياقه الكامل  


وأشار “ زكي” إلى أن النص يُفهم ضمن سياقه الكامل، لغوياً وتاريخياً وثقافياً وأدبياً. فالنص المقتطع من سياقه قد يبدو كتابياً، لكنه يُنتج عقيدة غير صحيحة. 
“إسرائيل” في العهد القديم شعب عهد لا دولة قومية  


أوضح “زكي” أن إسرائيل في العهد القديم «هم شعب عهد لا دولة قومية. فالله في العهد القديم لم يخترهم كأمة قومية، بل كشعب عهد دُعي ليحمل شهادة الله وسط الأمم، ومنه يأتي المسيح حسب الجسد كمخلص العالم. فاختيارها لم يكن امتيازاً، بل مسؤولية أخلاقية، لتكون نوراً للأمم، وليس لتقديس الأرض ذاتها. فالعهد مرتبط بالعدل والطاعة، لا بالعرق أو الأرض». 

  شمولية العهد الإلهي من بدايته  


وأكد أن العهد القديم من بدايته عن شمولية العهد الإلهي، فالله هو إله كل الأمم كما أنه إله إسرائيل، على سبيل المثال: كان نعمان السرياني أُممياً وقائد جيش، ومع ذلك شُفي بإيمانه واعترف بالله من دون تغيير قومي؛ دخلت راعوث الموآبية ضمن شعب الله بالإيمان، وصارت عنصراً في سلسلة نسب المسيح، مؤكدة أن العهد لا يُورَّث عرقياً؛ وأهل نينوى، المدينة الوثنية الكبيرة التي قبلت التوبة، رغم عنصرية يونان ورفضه الانفتاح على الأمم، في مشهد يُظهر رحمة الله الواسعة للجميع؛ وأيوب الذي لم يكن إسرائيلياً، ومع ذلك يُقدَّم في الكتاب المقدس كنموذج للإيمان والصبر؛ وملكة سبأ التي يشيد الكتاب المقدس بحكمتها، في إعلان أن الله إله العالم كله؛ وما قيل لأبرام من قِبَل الله فيك تتبارك جميع قبائل الأرض (تكوين 12: 3)، ولم يقل: إسرائيل فقط، بل جميع قبائل الأرض. 

 الوعد بالأرض مشروط بالطاعة  


وأضاف: «أما الوعد بالأرض في العهد القديم فمرتبط بالطاعة للوصية، فهو وعد مشروط ولم تُقدَّس الأرض في ذاتها، بل أُدين الشعب حين خان العهد فتقذف الأرض سكانها (اللاويين 18: 25)». 


«إسرائيل» في العهد الجديد لم يُلغ الوعد بل أُعيد تعريفه  


قال زكي إن «إسرائيل في العهد الجديد لم يُلغ الوعد في المسيح، إنما أُعيد تعريفه ليصبح الخلاص شاملاً للجميع: اليهودي في الظاهر ليس يهودياً (رومية 2: 28). إسرائيل الجديد هو شعب الإيمان، حيث صار الاتحاد بالمسيح علامة العهد. لذلك فإن إسرائيل والكنيسة في وحدة لا ازدواج. فيقول: جعل الاثنين واحداً (أفسس 2: 14). وأي تعليم لاهوتي يُعيد الفصل بين ما وحده الصليب يناقض جوهر الإنجيل».

  الصهيونية حركة قومية علمانية  


أوضح أن «الصهيونية نشأت كحركة في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا، بقيادة ثيودور هرتزل، كحركة قومية علمانية لليهود المهددين بالاضطهاد. ولاحقاً شرعنت نفسها دينياً عبر قراءة حرفية انتقائية لنصوص من العهد القديم، وفصل العهد القديم عن اكتماله في المسيح وتقديس دولة إسرائيل واعتبارها تحقيقاً للوعد. ذلك التحول من حركة قومية إلى فكر لاهوتي مسيَّس أوجد إشكالية لاهوتية، إذ دُمج السياسة بالنبوة على حساب الإعلان الخلاصي». 

 واختتم الدكتور القس اسطفانوس زكي رئيس مجلس المؤسسات التعليمية بالكنيسة الإنجيلية المشيخة بمصر ، أن من بعض ما يؤخذ على الحركة الصهيونية أنها تتجاهل اكتمال الإعلان في المسيح، وتُعيد بناء ما نقضه الصليب، وتفصل بين إسرائيل والكنيسة، وتبرر الظلم باسم الوعد. إن الكتاب المقدس لا يقدس أرضاً ولا يبرر ظلماً، بل يعلن أن الله يريد أن الجميع يخلصون. أما قضية إسرائيل فهي ليست قضية أرض، بل قضية تفسير. فالوعد الإلهي قد تحقق في المسيح، وفي الكنيسة التي توحد جميع المؤمنين من اليهود والأمم، ليكونا كنيسة واحدة وشعب واحد يضم جميع الأمم معاً بلا تفرقة أو تمييز.

تم نسخ الرابط