تشبه الصين مارد الزجاجة الذي احتاج فقط لحركة بسيطة للخروج والانطلاق من الإطار الضيق إلى إظهار قوته في العالم كله. وقد سألني صحفي أمريكي منذ عدة سنوات بسخرية: "الصين تغزو العالم اقتصاديًا، فهل سيأتي الوقت الذي سيصبح علينا أن نتعلم الصينية؟". وأعتقد أن الوقت قد حان الآن بالفعل لكي تتعلم أمريكا الصينية على الرغم من صعوبة تلك اللغة والعقلية وطريقة التفكير على الكثيرين في الغرب؛ فمثلاً أمريكا تؤمن بمبدأ المواجهة وإظهار القوة، في حين تتبع الصين مبدأ: "لا تقتل عدوك، فقط انتظر عند حافة النهر وستأتيك جثته، وفي أثناء انتظارك افعل كل ما تستطيع لإضعاف عدوك حتى تنتهي قوته". إذ تسعى الصين حاليًا ليس فقط لتحسين موقعها داخل النظام الدولي القائم، بل وتعمل تدريجيًا على إعادة تشكيل هذا النظام بما يحد من الهيمنة الأمريكية ويمنح الصين موقع القوة المركزية في آسيا ثم على المستوى العالمي. ولهذا فإن مبادرة الحزام والطريق تعد من أهم المبادرات الاقتصادية لتأكيد النفوذ الصيني.
وقد ظهر الاختلاف في العقلية خلال القمة الأمريكية الصينية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ والتي عُقدت في بكين الجمعة الماضي؛ حيث حرص ترامب على اصطحاب حكام العالم الجدد، أو أباطرة شركات التكنولوجيا الأمريكية معه لإظهار مدى السيطرة على العالم، فمن يملك التكنولوجيا حاليًا يملك القوة الحقيقية وليس السلاح العسكري. في حين تجاهل الرئيس الصيني الرسالة، وحرص على اصطحاب ترامب إلى حديقة مقر الإقامة الرسمية "تشونجنانهاي" والتي تضم أشجارًا أقدم من الولايات المتحدة؛ فالصين نجحت في تحقيق استقلالها التكنولوجي منذ عدة سنوات، وبالتالي فهي تدرك أن الهيمنة الأمريكية على العالم انتهت للأبد. ولهذا حذر الرئيس الصيني في كلمته من "فخ ثوسيديدس" وتكرار خطأ التاريخ الذي يؤدي إلى صدام حتمي بين قوة مهيمنة وأخرى صاعدة، داعيًا إلى صياغة نموذج جديد للعلاقات الإيجابية بين القوى الكبرى؛ فكما اتحدت أمريكا والصين وإنجلترا وفرنسا وروسيا ضد ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، اتحدت أثينا وإسبرطة معًا لصد الغزو الفارسي، وبرزت "أثينا" بانتصارها في معركة ماراثون، بينما خلّد التاريخ "إسبرطة" بمعركة ثيرموبيلاي (معركة الـ 300).
ثم جاءت بعدها الحرب البيلوبونيسية (431 - 404 قبل الميلاد)؛ حيث أدى التنافس الشديد على زعامة اليونان إلى اندلاع حرب طاحنة انتهت بهزيمة أثينا (التي يتشابه نظام حكمها مع أمريكا) واستسلامها لقوات إسبرطة (التي تتشابه مع الصين). والواقع الدولي يشير إلى أن النظام العالمي يمر بمرحلة إعادة ترتيب، خاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022 وكذلك التنافس الحالي بين الولايات المتحدة والصين، وبالتالي فالعالم يتجه إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، خاصة وأن المنظمات الدولية الكبرى مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد تم تنحيتها ولم تعد قادرة على قيادة العالم كما كانت تفعل في السنوات الماضية، كما أن هناك صعود منظمات إقليمية أخرى مثل مجموعة الآسيان والبريكس أصبح مؤشرًا مهمًا على تغير النظام الاقتصادي العالمي، وكلها شواهد تؤكد أن الولايات المتحدة لن تكون هي المهيمنة بعد خمس سنوات فقط من الآن.
وبالتالي فإن مستقبل النظام العالمي سيُحسم خلال العقد المقبل؛ إما نحو تعاون متعدد الأطراف أو نحو صراع وفوضى، خاصة وأن الصين نجحت في تعزيز استقلالها الصناعي والتكنولوجي، كما تمكنت من توسيع نفوذها التجاري والاستثماري في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، والأهم من ذلك أنها استطاعت استخدام سيطرتها على المعادن النادرة وسلاسل التوريد الاستراتيجية كورقة ضغط فعالة ضد الولايات المتحدة.
ولعل أكثر ما يهمنا في المنطقة حاليًا هو إذا ما كانت القمة الأمريكية الصينية قد توصلت لتفاهمات حول احتواء أزمة الحرب الإيرانية وأمن الطاقة العالمي ومشكلة إغلاق مضيق هرمز، وهو أمر لم يظهر بعد في التصريحات التي أطلقها ترامب عقب القمة، كما لم يظهر إلى أي مدى تم الاتفاق على تخفيف الصراع المحموم على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والرقائق؛ حيث تفرض الولايات المتحدة قيودًا صارمة على تصدير الرقائق الإلكترونية فائقة التطور (مثل رقائق شركة Nvidia)، وهي رقائق تحتاجها الصين بشدة لبرمجة روبوتاتها وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. في المقابل، يمتلك الصينيون الهيمنة على معالجة نحو 90% من المعادن النادرة المطلوبة لصناعة تلك التكنولوجيا.
وقد زرت الصين أربع مرات على مدى حوالي 25 عامًا؛ كانت أول زيارة في 1999، ثم في 2002 و2006 لتغطية زيارات الرئيس الراحل حسني مبارك، ثم زرتها العام الماضي ضمن وفد إعلامي مصري وشاهدت الفرق الكبير، فكأن الصين أصبحت دولة جديدة تمامًا في كل شيء. وهناك تقدم تكنولوجي كبير واعتماد بشكل أكبر على الروبوتات والذكاء الاصطناعي لدرجة أن في الفندق هناك روبوت يقوم بالتوجه إلى الغرف لتوصيل الطلبات. ويعود هذا التقدم إلى العمل والانضباط فهو سر الطبخة الصينية، وهما مكونان أساسيان في الشخصية الصينية التي تحترم قيمة العمل وتعودت على الانضباط والعمل الجماعي؛ فلم أرَ كافيهات في كل مكان بل في أماكن قليلة، ولديهم اهتمام كبير بالزراعة ففي كل مكان هناك ورود وأشجار لدرجة أنهم يحيطون الأشجار بأسياج من الحديد حتى تنمو واقفة ولا تميل فتأخذ مساحة أكبر مما يريدون.
ويقوم المجتمع الصيني على الزراعة في الأساس؛ فحوالي 80% من الصينيين فلاحين، ولكن الدولة استطاعت إعادة تأهيلهم ليعملوا أيضًا في أعمال البناء وفي المصانع، وهناك اهتمام شديد بالتعليم للشباب وخاصة في مجالات التكنولوجيا والعلوم، ولا يوجد حاليًا الكثير من الأشخاص بلا مأوى خاصة في المدن الكبرى على عكس الدول الغربية؛ فالدولة تضع النظام والشعب يتبعه والجميع يستفيد. كما أن الصين تمتلك وسائل التواصل الاجتماعي "السوشيال ميديا" الخاص بها؛ فلا يوجد فيسبوك أو واتساب في الصين ولكن العديد من التطبيقات الأخرى الصينية، كما ينتشر بالطبع تطبيق التيك توك الصيني الأصل، وبالتالي فالصين أصبحت لا تعتمد على الغرب ولا تحتاج أحدًا، بل إن الكثير من الدول تحتاجها سواء كمصدر للمعادن النادرة التي تدخل في معظم الصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، أو كمصدر للمنتجات الرخيصة التي تصدرها لكل العالم؛ من أول الصناعات العسكرية والطائرات والروبوتات والسيارات حتى أبسط المنتجات مثل الباور بانك للموبايلات.
وتسعى الصين بقوة إلى وضع قدميها كقوة كبرى في عالم جديد متعدد الأقطاب وليس عالم القطب الأمريكي الواحد الذي بدأ في منحنى الهبوط، ولهذا تعتمد الصين على فكر جديد واستراتيجية اقتصادية تتمثل في مبادرة الحزام والطريق. والجدير بالذكر أن مبادرة "حزام واحد، طريق واحد" وتسمى أيضًا مبادرة الحزام والطريق، كما تعرف أيضًا بـ "طريق الحرير الجديد"، هي مبادرة صينية قامت على أنقاض طريق الحرير في القرن التاسع عشر من أجل ربط الصين بالعالم، لتكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية وتشمل عدة مناطق ودولاً من بينها مصر، ومنطقة قناة السويس بأكملها والمنطقة الاقتصادية التابعة لها جزء من المبادرة لأن المبادرة تقوم على الطريق الحريري البري والبحري، ومصر جزء أصيل من هذه المبادرة ولذلك كانت مصر بالفعل من أوائل الدول المنضمة لتلك المبادرة؛ فقد أعلنت المبادرة في 2013 وبدأت حيز التنفيذ في 2014، وكانت أول ثلاث دول هي كازاخستان وباكستان ثم مصر وهي الدولة الثالثة. وتعتبر مبادرة الحزام والطريق استراتيجية عالمية لتطوير البنية التحتية تبنتها حكومة الصين في عام 2013 للاستثمار في أكثر من 150 دولة ومنظمة دولية، وتؤكد الصين في خطواتها الثابتة أنها أصبحت القطب الأكبر المنافس اقتصاديًا للولايات المتحدة؛ حيث تداين الصين أمريكا بمبلغ 822 مليار دولار، ورغم أن الصين تبدو الرابح في حرب ترامب التجارية، فإن الانسحاب من نظام التجارة المفتوحة يجعل الجميع في نهاية المطاف خاسرين.
ولعل أبرز دليل على ذلك ما أعلنه بنك الشعب الصيني بشكل مفاجئ منذ شهور، أن نظام التسوية عبر الحدود بالرنمينبي الرقمي (اليوان الصيني) سيتم ربطه بالكامل مع الدول العشر الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وست دول في الشرق الأوسط، مما يعني أن 38٪ من حجم التجارة العالمية سيتجاوز نظام "سويفت" الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، ويدخل مباشرة في "لحظة الرنمينبي الرقمي"؛ ففي حين لا يزال نظام سويفت يعاني من تأخير يتراوح بين 3 إلى 5 أيام في المدفوعات عبر الحدود، فإن الجسر الرقمي الذي طورته الصين قلّص سرعة التسوية إلى 7 ثوانٍ فقط. واليوم، أكملت 87٪ من دول العالم تكييف أنظمتها مع الرنمينبي الرقمي، وتجاوز حجم المدفوعات عبر الحدود 1.2 تريليون دولار أمريكي. وبينما لا تزال الولايات المتحدة تناقش ما إذا كانت العملات الرقمية تهدد مكانة الدولار، فقد بنت الصين بهدوء شبكة مدفوعات رقمية تغطي 200 دولة، وبالتالي فهذه الثورة المالية الصامتة لا تتعلق فقط بالسيادة النقدية، بل تحدد من يمكنه التحكم في شريان الحياة للاقتصاد العالمي في المستقبل، ويعني هذا بداية حقيقية لعملية التخلص من هيمنة الدولار، وقد يعيد تشكيل النظام العالمي بالكامل.
وقد تكون القمة الأمريكية الصينية قد أدت إلى تأجيل مزيد من الصدام وتخفيف حدة التوتر التجاري بينهما، ولكن يجب ألا يُخدع أحد: ما يتكشف أمامنا ليس مصالحة بين قوتين، بل سباق محموم بين عملاقين يسعيان إلى تسليح نفوذهما الاقتصادي وإعادة تقسيم مناطق النفوذ في العالم في السنوات القادمة.