جيهان زكي من كازان: الحضارات تتكامل ومصر تقود الحوار الثقافي
في لحظة دولية شديدة التعقيد، اختارت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، أن تتحدث بلغة الثقافة، وأن تطرح رؤية مصر من منصة مدينة كازان الروسية، عاصمة جمهورية تتارستان، حيث تحولت مشاركتها في الاجتماع الرابع عشر لوزراء الثقافة بمنظمة التعاون الإسلامي إلى رسالة سياسية وثقافية تؤكد أن «حوار الحضارات» لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة إنسانية واستراتيجية في مواجهة الانقسامات والصراعات العالمية.
وشهدت زيارة الدكتورة جيهان زكي إلى كازان سلسلة من اللقاءات والفعاليات المهمة، عكست توجه الدولة المصرية نحو تعزيز الدبلوماسية الثقافية والانفتاح على الشراكات الدولية، خاصة مع روسيا ودول العالم الإسلامي، بما يخدم قضايا التنمية وبناء الوعي وتعزيز التقارب بين الشعوب.
وخلال كلمتها أمام الاجتماع الوزاري، أكدت الدكتورة جيهان زكي أن الحضارات لا تتصادم بطبيعتها، بل تتكامل عندما تتوافر الإرادة والرؤية، مشددة على ضرورة الانتقال من مرحلة الحديث عن المبادئ إلى مرحلة تنفيذ السياسات والبرامج القادرة على تحويل «حوار الحضارات» إلى واقع ملموس.
وقالت إن مصر، تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أعادت تعريف دور الثقافة باعتبارها قوة محركة للتنمية، وأداة لتعزيز الاستقرار، وجسرًا للتواصل بين الشعوب، مشيرة إلى أن الدولة المصرية لم تعد تنظر إلى الثقافة باعتبارها مجرد حماية للتراث، وإنما باعتبارها مشروعًا لبناء الإنسان وتشكيل الوعي وتعزيز الهوية الوطنية.
وأوضحت وزيرة الثقافة أن مصر تعمل على ترسيخ العدالة الثقافية من خلال توسيع نطاق الخدمات الثقافية لتصل إلى مختلف المحافظات والفئات الاجتماعية، إلى جانب دعم الاقتصاد الثقافي والإبداعي، وتسريع التحول الرقمي الثقافي عبر إطلاق «قصور الثقافة الرقمية» باستخدام التكنولوجيا الحديثة، بما يضمن استدامة الوصول إلى المعرفة.

كما دعت الدكتورة جيهان زكي إلى دعم الإنتاج الثقافي المشترك بين الدول الإسلامية، وتوسيع برامج التبادل الثقافي، وإدماج قيم الحوار والتعدد داخل المنظومة التعليمية، مؤكدة أن الشباب يمثلون القوة الحقيقية القادرة على ضمان استدامة حوار الحضارات.
وعلى هامش الاجتماعات، عقدت الدكتورة جيهان زكي لقاءً مهمًا مع أولغا ليوبيموفا، وزيرة الثقافة الروسية، لبحث سبل تعزيز التعاون الثقافي بين البلدين، في خطوة تعكس عمق العلاقات التاريخية بين القاهرة وموسكو، وحرص الجانبين على توسيع مجالات التعاون الفني والثقافي.

وشهد اللقاء مناقشة عدد من الملفات المهمة، من بينها مشاركة الجانب الروسي في الفعاليات الثقافية المصرية، خاصة معارض السينما والكتاب، إضافة إلى التعاون في مجالات ترميم الأعمال الفنية وتدريب الكوادر المصرية، بما يعكس اهتمام مصر بالاستفادة من الخبرات الروسية المتقدمة في هذا المجال.
كما أبدى متحف «بوشكين» الروسي، أحد أعرق المتاحف الفنية في روسيا، اهتمامه بتنظيم معرض للفن القبطي المصري داخل روسيا، يضم أعمالًا تعكس ثراء التراث القبطي، إلى جانب الاهتمام بالتعاون مع متاحف الفن المصري الحديث والفن التشكيلي، ومنها متحف «محمود خليل»، وهو ما رحبت به الدكتورة جيهان زكي، مؤكدة أهمية هذه المبادرات في تعميق التواصل الحضاري بين الشعبين.
وأكدت وزيرة الثقافة أن مدينة كازان تمثل نموذجًا فريدًا للتعايش السلمي والتنوع الثقافي، بما يجعلها جديرة بحمل لقب «عاصمة الثقافة الإسلامية 2026»، مشيدة بما تتمتع به المدينة من إمكانات ثقافية وفنية كبيرة.

وفي سياق متصل، شاركت الدكتورة جيهان زكي، إلى جانب الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والمهندس خالد هاشم وزير الصناعة، في حفل إطلاق «كازان عاصمة الثقافة الإسلامية 2026»، بحضور الرئيس رستم مينيخانوف رئيس جمهورية تتارستان، وعدد من الوزراء والمسؤولين المشاركين في المؤتمر.
وجاءت المشاركة المصرية في الحفل لتؤكد حضور القاهرة الفاعل في المحافل الثقافية الدولية، وحرصها على دعم الحوار الثقافي بين الشرق والغرب، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم حاليًا.
كما وجهت وزيرة الثقافة الروسية الدعوة إلى الدكتورة جيهان زكي للمشاركة في منتدى الثقافات بمدينة سان بطرسبرج الروسية خلال سبتمبر المقبل، فيما وجهت الوزيرة المصرية دعوة مقابلة لنظيرتها الروسية لزيارة مصر، وهو ما قوبل بترحيب واضح من الجانب الروسي، الذي أعرب عن تقديره للمشاركة الروسية في افتتاح المتحف المصري الكبير.

وتعكس تحركات الدكتورة جيهان زكي في كازان إدراكًا متزايدًا لأهمية القوة الناعمة كأداة لبناء الجسور بين الشعوب، وترسيخ صورة مصر باعتبارها دولة تؤمن بأن الثقافة قادرة على مواجهة التطرف والانغلاق، وصناعة مساحات جديدة للتفاهم الإنساني في عالم يزداد احتياجًا إلى الحوار.