عاجل

منذ فجر التاريخ، لم ينفصل الاقتصاد عن السياسة في مصر، قناة السويس كانت ورقة في الصراع الدولي ،القطن المصري كان سبباً في تدخل القوى الأوروبية، الغاز اليوم ورقة في العلاقات مع أوروبا.
هكذا  يرصد الدكتور طلال أبوغزاله  المفكر العربى ظاهرة الاقتصاد المصري ويقول فى كتابه  المهم  مصر فى عيون طلال  ابوغزاله  إن المفكر  الدكتور جمال حمدان لخص هذا بقوله: «قوة مصر الاقتصادية ليست في ما تنتج فقط، بل في موقعها الذي يجعلها تتحكم في ما ينتج الآخرون.» هذه العبارة تصلح أن تكون عنوانًا لكل ما جرى ويجري.

ويكتب  أبوغزاله حين ننظر إلى مسار مصر الاقتصادي، نجد أنه ليس خطًا مستقيمًا، بل مسار مليء بالتحديات والصعود والهبوط. لكن الثابت أن مصر، بفضل موقعها ومواردها وشعبها، تظل قادرة على النهوض.

الكاتب البريطاني ديفيد هيرست قال ذات مرة: «مصر قد تتعثر، لكنها لا تسقط.» وهذه العبارة ربما تختصر سر قوتها الاقتصادية القدرة على العودة مهما كانت الصعوبات.

هكذا، يظل اقتصاد مصر مرآة لمكانتها قوي بجغرافيته، غني بموارده، متجدد بشعبه، ومؤثر في محيطه. إنه اقتصاد لا يتحدث بالأرقام وحدها، بل بلغة التاريخ والمستقبل ،  ويكشف أبوغزاله فى كتابه انه يجامل  ، ولا كتحية عابرة لبلد عربي محوري، بل  كلماته تخرج من رؤية رجل خبر الاقتصاد، وعرف أزمات العالم، وتعايش مع تحولات السوق الدولية.

مصر بالنسبة لى أكثر من وطن ثانٍ، فهي بيت العرب الكبير، مصر لا تُقاس بمساحتها الجغرافية فقط، ولا بعدد سكانها، وإنما بما تمثله من قيمة في الوجدان العربى «حين أزور القاهرة أشعر أنني أعود إلى بيتي، وأنني أسير في قلب التاريخ، لكنني أرى أيضًا ملامح المستقبل.» هذه العبارة تلخص ازدواجية نظرتى لمصر بلد يحمل حضارة سبعة آلاف عام، لكنه في الوقت نفسه قادر على الدخول إلى عالم المعرفة والتكنولوجيا.

أن الاقتصاد المصري يتمتع بقدرة فريدة على مواجهة التحديات،على الرغم من الأزمات التي مرت بها مصر، من الحروب إلى الإصلاحات الصعبة، إلا أن اقتصادها يظل واقفًا، وهذا ما يفسّره بوجود مقومات داخلية صلبة سوق ضخمة تتجاوز المئة مليون نسمة ،موقع جغرافي يربط ثلاث قارات، تاريخ طويل من الانفتاح التجاري «اقتصاد مصر مثل شجرة عملاقة، قد تمر بعواصف، لكن جذورها في الأرض لا تُقتلع.» هذه الاستعارة تعبّر عن رؤيتى بأن مصر لا تفقد أبدًا أساس قوتها الاقتصادية، حتى لو واجهت صعوبات مالية أو ضغوط خارجية.


ويرى أبوغزاله  ان الاقتصاد المصري لا يمكن النظر إليه كمسألة محلية فقط، بل يرتبط بدور مصر في المنطقة والعالم.  ويقول أبوغزاله بالنسبة لى، مصر هي الدولة العربية المرجعية إذا نهضت مصر، انعكس ذلك على بقية العرب.

العالم العربي بلا مصر جسد بلا قلب.» وهذه ليست مجرد استعارة عاطفية، بل رؤية اقتصادية أيضًا. فالتجارة العربية، الاستثمارات المشتركة، ومشروعات البنية التحتية الكبرى، كلها تحتاج إلى مصر بوصفها المحور.

  مصر ليست فقط ماضٍ يُحكى، بل حاضر يُبنى ومستقبل يُنتظر. وما أقدمه هنا ليس خطابًا سياسيًا ولا مديحًا إنشائيًا، بل رؤية فكرية نابعة من تجربة ممتدة، ومن يقين أن مصر تملك مكامن قوة عظيمة، إذا أحسنت إدارتها واستثمرت في أبنائها.

لقد تعلّمت من مسيرتي أن أخطر ما قد يواجه أمة ليس ندرة الموارد، ولا حتى الضغوط الخارجية، بل فقدان الأمل، واليأس، حين يحدث، يفتك بالطاقات ويشل الإرادة، لكن مصر،بطبيعتها،عصية على اليأس،فمنذ آلاف السنين، ورغم غزوات واحتلالات وأزمات اقتصادية، ظل المصري قادرًا على النهوض من جديد، وهذه القدرة المتكررة على إعادة البناء ليست مصادفة، بل هي سمة متجذّرة في الشخصية المصرية،  

حين أتحدث عن الاقتصاد، لا أراه في صورة أرقام الموازنات أو نسب النمو فقط، بل في بنيته العميقة، اليابان بعد الحرب العالمية الثانية كانت مدمرة، لكنها جعلت من المعرفة محركًا لنهضتها. كوريا الجنوبية خلال نصف قرن تحولت من بلد فقير إلى قوة صناعية وتقنية، لأنها استثمرت في التعليم والبحث والتطوير،ومصر قادرة على أن تسلك طريقًا مشابهًا. لديها قاعدة شبابية ضخمة تميل بالفطرة إلى التكنولوجيا والاتصالات. 

وقد شهدنا خلال العقد الأخير بروز شركات ناشئة مصرية في مجالات التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية والتعليم الرقمي، بعضها تجاوز الحدود المصرية وحصل على استثمارات دولية كبرى. هذه نماذج يجب أن تكون مؤثرة، لا أن تُترك لتصارع وحدها. مصر يجب ان تهتم  بصياغة مشروع وطني لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للاقتصاد المعرفي، وأن تكون هناك حاضنات أعمال، ومناخ قانوني وتشريعي جاذب، واستثمارات حكومية وخاصة في البحث العلمي.

  وهنا يتوقف أبوغزاله عند أهمية التنمية الاقتصادية  مع  العدالة اجتماعية،وهذا درس تعلمناه من تجارب أمم كثيرة.  يجب  ان تكون العدالة جزءًا لا يتجزأ من أي مشروع اقتصادي.  ويقول لا أقصد المساواة المطلقة، فهذا وهم، بل أقصد أن تكون هناك سياسات تضمن الحد الأدنى من الكرامة لكل مواطن تعليم جيد، رعاية صحية، فرصة عمل. مشروعات الإسكان الاجتماعي، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وبرامج دعم الفئات الأكثر احتياجًا التي طبقتها مصر مؤخرًا، هي إشارات إلى أن العدالة ليست غائبة عن التفكير الرسمي، ويجب البناء عليها.

تم نسخ الرابط