بلال شعيب: الدعم النقدي يمنح المواطن حرية أكبر في إدارة احتياجاته |حوار
تتسارع الخطى داخل أروقة الحكومة لحسم ملف التحول إلى الدعم النقدي، باعتباره أحد أبرز ملفات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي التي تعمل عليها الدولة خلال المرحلة الحالية، خاصة بعد التصريحات الأخيرة للدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بشأن دراسة الحكومة بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي تدريجيًا بداية من العام المالي الجديد 2026-2027، في إطار خطة تستهدف إعادة هيكلة منظومة الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه الحقيقيين بكفاءة أكبر.
ويأتي هذا التوجه في ظل سعي الدولة إلى تقليل الفاقد والهدر المرتبط بمنظومة الدعم العيني التقليدية، التي تواجه تحديات تتعلق بتسرب الدعم وارتفاع التكلفة الإدارية ووجود حلقات من البيروقراطية، إلى جانب العمل على بناء منظومة أكثر مرونة تعتمد على التكنولوجيا وقواعد البيانات الدقيقة، بما يمنح المواطن حرية أكبر في إدارة احتياجاته الأساسية.
وفي هذا السياق، أجرى موقع "نيوز رووم" حوارًا مع الدكتور بلال شعيب، الخبير الاقتصادي، للحديث عن أهمية التحول إلى الدعم النقدي، ومزاياه الاقتصادية والاجتماعية، وآليات التطبيق، ومدى قدرة المنظومة الجديدة على الحد من الفساد وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، فضلًا عن تأثيرها المتوقع على الأسواق والمواطنين.
كيف ترى توجه الدولة نحو التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي؟
التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي يمثل خطوة مهمة وضرورية ضمن مسار إصلاح منظومة الدعم في مصر، واستمرار الدعم العيني بصورته الحالية يؤدي إلى هدر كبير في الموارد، فضلًا عن خلق العديد من المشكلات المرتبطة بالفساد والبيروقراطية وتسرب الدعم إلى غير مستحقيه والدعم العيني المطلق يعد في كثير من الأحيان “هدرًا مطلقًا”، لأن تقديم سلعة محددة بسعر مدعوم يخلق فجوة كبيرة بين السعر الحر والسعر المدعوم، وهو ما يفتح الباب أمام عمليات التهريب والتلاعب وظهور السوق السوداء،.
ومنظومة الدعم العيني الحالية تتسبب في وجود فساد داخل بعض حلقات الإدارة البيروقراطية المسؤولة عن توزيع السلع المدعمة، إلى جانب تسرب جزء من هذه السلع إلى السوق الحرة بدلاً من وصولها الكامل إلى المواطنين المستحقين.
ما أبرز المشكلات الاقتصادية التي تنتج عن استمرار الدعم العيني؟
الدعم العيني يؤدي أيضًا إلى هدر كميات كبيرة من السلع والمواد التموينية، فضلًا عن ارتفاع التكلفة الإدارية التي تتحملها الدولة من أجل الرقابة والمتابعة والتنفيذ، وتعدد الجهات الرقابية والإجراءات المرتبطة بمنظومة الدعم العيني يزيد من الأعباء البيروقراطية بشكل كبير، وجزءًا كبيرًا من الأموال التي تخصصها الدولة للدعم لا يصل بكفاءة كاملة إلى المواطن بسبب الفاقد والتسرب الموجود داخل المنظومة التقليدية، والتحول إلى الدعم النقدي الإلكتروني يمكن أن يساهم بصورة كبيرة في تقليل هذا الفاقد وضمان وصول قيمة الدعم بشكل مباشر إلى المستفيدين الحقيقيين.
كيف يمكن تطبيق منظومة الدعم النقدي بشكل يحقق أكبر استفادة للمواطن؟
تطبيق الدعم النقدي يجب أن يتم من خلال منظومة إلكترونية متكاملة، بحيث يحصل المواطن على قيمة الدعم عبر بطاقة إلكترونية تتيح له حرية استخدام المبلغ وفق احتياجاته الأساسية، سواء في شراء السلع الغذائية أو سداد بعض الخدمات الأساسية.
والتصور الأمثل لمنظومة الدعم النقدي يتضمن إتاحة استخدام الدعم في أكثر من بند، مثل شراء السلع الغذائية الأساسية، وسداد فواتير الكهرباء، وتكاليف النقل والمواصلات، وحتى المحروقات، بحيث يمتلك المواطن حرية تحديد أولوياته في الإنفاق وقد يفضل المواطن في شهر معين توجيه قيمة الدعم لسداد فاتورة الكهرباء، بينما يستخدمها في شهر آخر لشراء السلع التموينية، وهو ما يمنح الأسر مرونة أكبر في إدارة احتياجاتها المعيشية ولذلك لابد من وجود زيادة سنوية في قيمة الدعم النقدي بما يتناسب مع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، حتى لا تتآكل القيمة الشرائية للدعم مع مرور الوقت.
ما الضمانات المطلوبة لضمان وصول الدعم النقدي إلى مستحقيه الحقيقيين؟
نجاح منظومة الدعم النقدي يتوقف بصورة أساسية على وجود قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة للفئات المستحقة، موضحًا أن عملية تنقية البيانات وتحديد المستفيدين يجب أن تسبق تنفيذ التحول الكامل من الدعم العيني إلى النقدي والدولة تحتاج إلى وضع معايير واضحة وعادلة لتحديد الفئات الأكثر احتياجًا، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين وعدم إهدار الموارد، ودقة البيانات تمثل العنصر الحاسم في نجاح أي منظومة دعم جديدة.
هناك مخاوف من ارتفاع الأسعار أو استغلال التجار للمواطن بعد التحول إلى الدعم النقدي.. كيف ترد على ذلك؟
المنظومة الجديدة بطبيعتها ستقلل كثيرًا من المشكلات الحالية المرتبطة بالدعم العيني، مثل نقص السلع أو التلاعب في الكميات والأسعار داخل بعض المنافذ، والمواطن في النظام النقدي سيكون لديه حرية الاختيار والشراء من أي مكان، بدلاً من الارتباط بمنفذ تمويني محدد.
وهذه الآلية تعزز المنافسة داخل الأسواق وتحد من المشكلات المرتبطة باختفاء بعض السلع أو إعادة بيعها في السوق السوداء، وزيادة حرية المستهلك في الاختيار ستدفع الأسواق إلى مزيد من التنافسية وتحسين جودة الخدمات والسلع المقدمة للمواطنين.