ماكرون في الإسكندرية.. حين تلتقي السياسة بالثقافة وتنفتح نوافذ البحر المتوسط
حل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ضيفاً على مصر في زيارة حملت أبعاداً متعددة، حيث افتتح مع الرئيس عبد الفتاح السيسي المقر الجديد لجامعة "ليوبولد سيدار سنجور" في مدينة برج العرب بالإسكندرية، في خطوة تعكس تحولاً في استراتيجية التعاون الثنائي من مجرد تحالف سياسي وعسكري إلى شراكة ثقافية وتنموية متكاملة.
لم تكن محافظة الإسكندرية اختياراً عابراً لهذا الحفل. فالمدينة التي كانت منارة للعلم والفن والجمال، والتي أنجبت عمالقة مثل المخرج العالمي يوسف شاهين والفنان عمر الشريف، تستعيد اليوم دورها الطبيعي كملتقى للحضارات. فالرئيس الفرنسي أشار بوضوح إلى أن اللغة الفرنسية التي طالما أحبها المصريون، يجب أن تعود كلغة محببة وليس كلغة نخبة، وذلك من خلال جامعات ومؤسسات تعليمية تفتح أبوابها للجميع.
الإسكندرية ومرسيليا.. جسر ثقافي بدلاً من مقبرة للمتوسط
في كلمته، طرح الرئيس ماكرون رؤيته لمستقبل البحر المتوسط الذي يعاني من الأزمات والصراعات. فهو لا ينبغي أن يتحول إلى "مقبرة للمهاجرين" أو ساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية. بل على العكس، دعا ماكرون إلى جعل المتوسط "واجهة للتلاقي والتنوع الثقافي"، مشيراً إلى أن جنوبه ممثلاً بالإسكندرية، وشماله ممثلاً بمرسيليا التي تستضيف نهاية الأسبوع ملتقى ثقافياً لدول المتوسط، يمكنهما معاً أن يصبحا مركزاً للحوار الإنساني.
"جامعة سنغور" هي تجسيد لهذه الفلسفة. فالجامعة الفرانكفونية لا تقتصر على تعليم اللغة، بل تتيح الفرصة للطلاب من كل دول العالم للتواصل والتعلم، وهنا "مربط الفرس" بالنسبة للرئيس الفرنسي، الذي يؤمن بأن التعليم والثقافة قادران على نزع فتيل الصراعات، وإزالة آثار الماضي الصعب، وتحويل الاختلافات من سبب للصدام إلى دافع للثراء الفكري.
رسائل سياسية صريحة وغلاف عاطفي دافئ
لكن إلى جانب البعد الثقافي، حملت زيارة ماكرون رسائل سياسية هامة، بشأن القضايا الساخنة في المنطقة. فقد ظهر الامتنان والتقدير على وجه الرئيس الفرنسي خلال استقبال الرئيس السيسي، والذي لم يكن مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل ترجمة لعلاقة وُصفت من الجانب الفرنسي بأنها "استراتيجية"، وبما يعكس إعجاباً حقيقياً بنظيره المصري.
أثبتت التطورات الأخيرة أن التحذيرات التي طالما أطلقها الرئيس السيسي من اندلاع حرب إقليمية شاملة، كانت في محلها. وقد تبنى ماكرون هذه الرؤية، خاصة خلال أزمة غزة، ليدرك الجميع اليوم أن نيران هذا الحرب سيعاني من تبعاتها الجميع، ولن ينجو منها أحد.
في كلمته، تألم ماكرون بوضوح مما يحدث في غزة والضفة الغربية، كما أعرب عن أسفه للاعتداءات المستمرة على "لبنان العزيز والصديق". وبدا أن الرسالة الأساسية كانت واضحة: "لغة القوة لن تأتي إلا بالخراب، والاعتداءات الغاشمة (في إشارة واضحة لإسرائيل دون أن يسميها) لم ولن تأتي بالسلام".
هل تشارك مصر في تأمين المضايق وحل أزمة هرمز؟
أما على صعيد الملفات الحارة الأخرى، فقد أظهر الجانبان تطابقاً في وجهات النظر حول ضرورة عودة الهدوء إلى مضيق هرمز، وشاركهما الإيمان بأن الأمن المائي والملاحي هو شأن عالمي. وهذا يطرح تساؤلاً استراتيجياً هاماً: هل ستشارك مصر، بقواتها البحرية، إلى جانب فرنسا بعد انتهاء الحرب، ضمن القوات الدولية التي ستقوم على تأمين المضايق؟ الإجابة تبدو إيجابية، خاصة مع تقارب وجهات النظر والتنسيق المستمر بين البلدين.
سياسات متطابقة وامتنان متبادل
يمكن القول إن السياسة الخارجية لكل من مصر وفرنسا، في الملفات الساخنة وحالة الاحتقان التي تشهدها المنطقة والحرب في إيران، لا تتشابه فقط بل كادت أن تتطابق. وقد أظهرت الصور المتداولة من برج العرب حالة من الامتنان والسعادة المتبادلة على وجوه القائدين، تلك المشاعر التي انتقلت إلى الشعبين في البلدين، مما جعل المصريين والفرنسيين سعداء على حد سواء.
رحلة العام الماضي.. وفيضها هذا العام
تذكرنا هذه الرحلة بما حدث العام الماضي، حين انتهت زيارة ماكرون لمصر بالاعتراف بدولة فلسطين، وذلك بعد أن شاهد بأم عينيه معاناة سيدات وشيوخ وأطفال غزة داخل مستشفى العريش.
هذا العام، يبدأ الرئيس الفرنسي رحلته من مصر متجهاً إلى كينيا لتقديم الدعم الاقتصادي للقارة السمراء، ليختتم زيارته بإثيوبيا. وسيبقى السؤال الأهم: هل سيحمل ماكرون رسالة من الجانب المصري إلى الجانب الإثيوبي؟ في ظل التنسيق العالي المستوى بين البلدين، تبدو الإجابة مرجحة جداً، ما لم تكن الرحلة بأكملها منسقة مسبقاً لخدمة المصالح المشتركة.
الإسكندرية اليوم ليست مجرد مدينة يستقبل فيها رئيس، بل هي رمز لنهضة ثقافية وسياسية تعيد تعريف العلاقات الدولية في المنطقة، وتجعل من البحر المتوسط جسراً للحوار، ومن مصر بوابة السلام والتنمية.