في توقيت يشهد إعادة تشكيل لخريطة الاقتصاد العالمي، استضافت القاهرة مؤتمرًا تمهيديًا نظمته سفارة الهند للإعلان عن تفاصيل القمة الرابعة لمنتدى الهند–أفريقيا، في خطوة تعكس السباق الدولي المتسارع نحو أفريقيا والأسواق الناشئة.
الحدث الذي تستضيفه نيودلهي نهاية مايو الحالي يعكس بوضوح كيف أصبحت أفريقيا في قلب الحسابات الاقتصادية والسياسية العالمية، وكيف باتت مصر تحديدًا نقطة ارتكاز رئيسية في هذا التحول، باعتبارها بوابة استراتيجية للقارة الأفريقية ومركزًا متصلًا بأوروبا والشرق الأوسط في الوقت نفسه.
الهند التي تسعي لايجاد مكان لها بين الكبار ، تدرك جيدًا أهمية هذه المعادلة.
فخلال السنوات الأخيرة، تضاعفت العلاقات الاقتصادية الهندية–الأفريقية بصورة لافتة، حيث تجاوز حجم التجارة التراكمية بين الجانبين حاجز 100 مليار دولار، بينما بلغت الاستثمارات الهندية في أفريقيا نحو 80 مليار دولار، لتصبح الهند واحدة من أكبر خمسة مستثمرين داخل القارة. كما وصل حجم التبادل التجاري إلى نحو 82 مليار دولار خلال 2024–2025، منها 42.6 مليار دولار صادرات هندية مقابل 39.2 مليار دولار واردات من أفريقيا، مدفوعة بقطاعات الأدوية والطاقة والسيارات والكيماويات والتكنولوجيا.
التعاون لم يتوقف عند الاقتصاد ، فتعزيز العلاقات الثقافية يتصدر مجالات التعاون ، عبر توفير فرص دراسية قدمت لأكثر من 42 الف طالب إفريقي في الهند من خلال برامج المنح المختلفة.
لكن الأهم من الأرقام هو سبب هذا التوجه العالمي نحو أفريقيا الآن ،فالعالم لم يعد يبحث فقط عن أسواق استهلاكية تقليدية، بل عن مناطق تمتلك معدلات نمو سكاني مرتفعة، وفرص تصنيع جديدة، وموارد استراتيجية، وأسواقًا رقمية غير مشبعة، وقدرة على التحول إلى مراكز إنتاج مستقبلية.
ولهذا أصبحت أفريقيا ساحة تنافس اقتصادي بين قوى كبرى مثل الهند والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وروسيا، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز نفوذه الاقتصادي والاستثماري داخل القارة. كما درس أكثر من 42 ألف طالب أفريقي في الهند من خلال برامج المنح المختلفة، في مؤشر على أن الشراكة تتجاوز الاقتصاد إلى بناء النفوذ والتأثير طويل المدى.
وفي قلب هذا المشهد، تظهر مصر باعتبارها المدخل الجغرافي والسياسي الأكثر استقرارًا وتنظيمًا إلى أفريقيا. فمصر لا تمتلك فقط واحدة من أكبر القواعد الصناعية في القارة، لكنها توفر أيضًا موقعًا استثنائيًا يربط بين أفريقيا وأوروبا وآسيا، إلى جانب شبكة اتفاقيات تجارية ضخمة تجعلها منصة تصدير وإعادة تصنيع للأسواق الأفريقية.
ولهذا لم يعد غريبًا أن تتجه استثمارات دولية متزايدة نحو مصر باعتبارها مركزًا إقليميًا للتصنيع والخدمات اللوجستية والطاقة والتكنولوجيا، خاصة مع تصاعد أهمية سلاسل الإمداد العالمية ومحاولات الدول تنويع مراكز الإنتاج بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على أسواق محددة.
الهند نفسها تنظر إلى مصر باعتبارها شريكًا استراتيجيًا داخل أفريقيا، وليس مجرد سوق منفردة، ومن هنا تأتي أهمية التعاون في مجالات مثل تصنيع اللقاحات، والصناعات الدوائية، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية الرقمية، وهي القطاعات التي تمثل مستقبل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
ما يحدث اليوم يؤكد أن التنافس بين الدول لم يعد فقط على النفوذ السياسي، بل على من ينجح في بناء شراكات طويلة المدى داخل الأسواق الناشئة.
وأفريقيا أصبحت العنوان الأبرز لهذا التنافس… بينما تبدو مصر في قلب هذه المعادلة الجديدة