
جلستُ إلى جوار المبعوث الاخواني السامي رفيع المستوى وبرفقته زوجته رفيعة المستوي التي كانت قد فرغت لتوّها من كأسها الرابع ؛ تنقّل بنا الحديث بين موضوعات شتّى، نتشعّب فيها حينًا ونعود منها حينًا آخر إلى أن أعادني الأستاذ أحمد فجأة إلى نقطة البداية وحدّق في وجهي قائلًا:
— ها يا عم تامر… قلت إيه؟
تظاهرتُ بعدم الفهم وقلت:
— قلت إيه في إيه؟!
ابتسم ابتسامةً خفيفة ثم قال بنبرةٍ تجمع بين المزاح والجدية:
— يعني… نهدّى شوية في اللي بنكتبه ونبدأ نجهّز نفسنا للسفر لروما؟
أشعلتُ سيجارة ثم غرقتُ في لحظة صمتٍ قصيرة كانت كافية لأن يتسرّب إليه قدرٌ هائل من التفكير. عيناي لم تفارقا عينيه تلك النظرة التي كانت تحمل من الدهاء أكثر مما تحتمل الكلمات.
نطقت أخيرًا وأنا أنهض ببطء:
— أستأذنك… هدخل الحمّام تلات دقايق
ابتسم ضاحكًا وقال:
— دي فكرة مش بطّالة خالص… خدني معاك !!
دلفنا إلى حمّام الفورسيزون حيث اخترتُ أن أختبئ داخل إحدى الكبائن بينما فضّل هو الوقوف أمام المبولة وما أن أغلقتُ الباب خلفي حتى سارعتُ بإفراغ لفافة الحشيش بعدما ترسّخ بداخلي يقينٌ غامض بأن وراءها مصيبةً ما وأن شيئًا ثقيلًا كان يتهيّأ للوقوع خلال دقائق ..
خرجنا من الحمّام لنجد زوجته وقد بلغت كأسها السادس - اللهم لا حسد - بينما كانت أجواء الجلسة تميل شيئًا فشيئًا إلى ذلك الثقل الذي يسبق النهاية ؛ أنهيتُ السهرة بوعدٍ مبهم بأن أتوقّف عن الكتابة لكن من دون أي حديثٍ عن السفر إلى روما ؛ رددت في ادعاء بأن لديّ أعمالًا خاصة في دبي وأنها وحدها ما يستحوذ على تفكيري هذه الأيام وهذا الأمر يستحيل معه السفر للعمل ملحقا ثقافيا بأكاديمية روما ..
غادرتُ المكان واستقللتُ سيارتي متجهًا إلى حيّ المعادي حيث كنتُ أقيم آنذاك وكان الليل هادئًا على نحوٍ يثير الريبة إلى أن وقع ما لم يكن في الحسبان.
عند لجنة الملك الصالح الشهيرة — تلك التي اعتدتُ المرور بها يوميًا حتى ألفتُ وجوه أفرادها — أشار إليّ أحد الضباط بالتوقّف ؛ بدا وجهه غريبًا عن المكان كأنه نُقل حديثًا إلى الخدمة هناك واقترب من نافذتي بنظرةٍ جامدة متحفزة بعض الشئ ثم قال بلهجةٍ رسمية لا تخلو من التوجّس:
— الرخص لو سمحت.
في تلك اللحظة أدركتُ يقينًا أن أعظم قرار اتخذته في حياتي كان التخلّص من لفافة الحشيش داخل الحمّام قبل قليل ..
ما إن تأكّد الضابط من سلامة أوراقي ورخصتي حتى تغيّرت ملامحه فجأة وأصدر أوامره بتفتيشي ذاتيا وتفتيش السيارة بالكامل وانصرف اثنان من أفراد القوة لتنفيذ الأمر علي الفور بينما وقفتُ أنا في حالة استسلامٍ كامل أراقب المشهد بصمتٍ ثقيل كأنني أنتظر حكمًا مجهولًا ..
امتدّ التفتيش طويلًا ربما نصف ساعة كاملة بدت لي وكأنها عمرٌ آخر وكانت كافية لأن تتكدّس السيارات وتُغلق الطرق المؤدية إلى المعادي ومع ذلك لم يجدوا شيئًا.
وأخيرًا أعاد الضابط إليّ أوراقي ببرود المغتاظ ثم أشار بيده أن أمضِ في طريقي وكأن شيئًا لم يكن !!
انتهي ..