عاجل

 

 

 

استهلال: في فلسفة الارتباط وسيرة الزمان
إن المتأمل في موكب الزمان، المستقرئ لسنن الاجتماع البشري في أبعادها الملكوتية، يلفي علاقةً ليست من عوارض التاريخ الجارية، ولا من منثور الحوادث الهامشية؛ بل هي علاقةٌ قدّرتها المشيئة الإلهية، وصاغتها يد القدر في لوح الارتباط الروحي والتعلق الوجداني، بين مصر -أرض الكنانة والمكانة- وبين البيت الحرام -مهوى الأفئدة ومثابة الناس. هي علاقةٌ تلمح في سماتها قسمات النور، وتستنشق في مطاويها عبق الهداية، وتتجلى في مشاهد جليلة تنبعث منها أنوار الصدق، وتتألق فيها فيوضات الحق.
إن هذا الوصل الذي لا ينفصم، وهذا الرباط الذي لا ينقطع، لم يكن وليد صدفة جغرافية، بل هو مددٌ غيبي، ضربت جذوره في أعماق النبوة الأولى، فكانت مصر هي الهدية وهي المنطلق، وكان البيت الحرام هو المستقر وهو القبلة.
المشهد الأول: هاجر.. الأمانة المصرية في عهدة الخليل
تبدأ فصول هذه الملحمة النورانية بعطاء مصر المتمثل في السيدة هاجر -عليها السلام- التي زفتها أرض الكنانة لتكون زوجاً لخليل الله إبراهيم، فكانت هي مفتاح الوصول إلى هذا المدد المتصل. انتقلت هاجر من ضفاف النيل المثمرة إلى بطحاء مكة المقفرة، حاملةً في أحشائها وبين جنبات روحها مدد النبوة الذي تنقل نوره في الأصلاب الطاهرة والأرحام الزاكية.
لقد خرجت ابنة مصر من أصولها، لتغدو بمرور الأيام أماً للعرب في بلاد الحجاز؛ وهنالك، حين جاء الأمر الإلهي الصارم -الذي لا ينهض بحمله إلا من ذاق حلاوة الحب الإلهي وبلغ ذروة المقامات الربانية- بأن يترك الخليل زوجته ووليده في وادٍ غير ذي زرع، تجلت العبقرية الإيمانية في أرقى صورها.
عندما سألت ابنة مصر وجدّتنا الأولى: آلله أمرك بهذا؟، وجاءها الرد بالإيجاب، لم تنطق بلسان العوز أو الخوف، بل نطقت بيقين هو دستور الأمة وخلاصة فلسفتها: إذن لن يضيعنا الله أبداً. هذه الكلمة لم تكن مجرد حروف، بل كانت الصك الأول في علاقة الاستحقاق بين أرض الكنانة والبيت الحرام. لقد صُنع إسماعيل -عليه السلام- على عين الله، ولكن بمحض الفضل الذي جرى على يد سلفه المصري، فصارت الكعبة ومصر منذ ذلك الحين وديعتين في كنف الرحمن، مرعيتين بعنايته، محميتين بجلاله، فما أرادهما جبار بسوء إلا قصمه الله.
المشهد الثاني: دعوات الخليل وجدلية الأفئدة والثمرات
ينقلنا موكب الزمان إلى مشهد ثانٍ، هو مشهد الخضوع والمسكنة من الخليل عليه السلام، حين استنزل الرحمة بالدعاء: {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ}. وهنا نلمح فلسفة السلوك الإلهي؛ فأرباب الأحوال يخاطبون الله بأحوالهم، ويتقربون إليه بجميل عبادتهم، فكانت الإجابة شاملة جامعة.
إن مكة ومصر قد صارتا ببركة هذا الدعاء محطّ أنظار القلوب، فإذا كانت الكعبة قبلة الصلاة، فإن مصر بأزهرها الشريف قد غدت قبلة العلم والعلماء؛ تهوي إليها القلوب الظامئة للمعرفة كما تهوي لمكة الأرواح الظامئة للعبادة. هذا التناظر العجيب في تنزل النفحات والخيرات المادية والمعنوية، جعل من زمزم في مكة طعام طعم وشفاء سقم، ومن نيل مصر نهراً من أنهار الجنة.
وكما يضج البيت الحرام بشكر الطائفين والعاكفين، تضج مساجد آل البيت في مصر بشكر العارفين والأولياء. إنه مددٌ يسري في رحاب المكانين كما يسري الماء في الورد، ومحبةٌ تعمق في النفس الشعور بقداسة الزمان والمكان.
المشهد الثالث: صكوك الأمان الموشحة بالوحي
إن العجيب في هذه العلاقة أن صك الأمان عليهما لم ينزل به قول البشر، بل نزل به محكم القرآن. ففي حق البيت قال تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}، وفي حق مصر قال: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}.
الأولى استجابة لدعوة الخليل إبراهيم، والثانية دعوة الصدّيق يوسف الذي تشرب حب مصر من جده، فأكّد المدد وأمّن السكن. وامتد هذا الأمن بفضل دعوات المشيرة السيدة زينب -رضي الله عنها- حين استقبلها أهل مصر بالحفاوة والولاء، فقالت دعوتها الخالدة: يا أهل مصر نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله.... فصارت هذه الدعوات الهاشمية سياجاً من السكينة يحوط مصر، وجعلت منها بلداً مرعياً ببركات آل النبوة.
المشهد الرابع: الشجرة النبوية.. الأصل في مكة والفرع في مصر
يأتي المشهد الرابع ليملأ العين عجباً والقلب إيماناً، وهو سرّ الصلاة الإبراهيمية التي نرددها في كل صلاة. إنها صلاة لا تكتمل بغير الدعاء والبركة لآل إبراهيم وآل محمد. وإذا كان منشأ هؤلاء الأطهار في مكة، فإن امتدادهم وكمال ظهور أنوارهم كان في مصر المحروسة بآل البيت.
إنها شجرة واحدة: أصلها ثابت في بطحاء مكة، وفروعها تظلل ضفاف النيل. لذا لا عجب أن نرى الحرم الحسيني والحرم الزينبي في مصر يستمدان أنوارهما من الحرم المكي والحرم النبوي. وإذا كان الحق قد تجلى على الحرم المكي بصفات الجلال، فاشهدها في مصر عند عتبات السيدة لتهدئ من روعك، وإذا تجلى على الحرم المدني بصفات الجمال، فاشهدها في مصر عند أعتاب الحسين. وكما قال الشاعر:
وكلهم من رسول الله ملتمسٌ .. غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
المشهد الخامس: الكسوة الشريفة.. حكاية الوفاء بالذهب والحرير
يتجلى التعظيم المصري للبيت العتيق في أسمى صوره عبر تاريخ الكسوة الشريفة. فموكب التاريخ يحكي أن مصر كانت هي ناسجة الثوب الأقدس لقرون متطاولة. لم يكن تصنيع الكسوة في مصر مجرد مهمة صناعية، بل كان طقساً وجدانياً واحتفاليةً وطنية تنبع من صميم الحب القرّ في القلوب.
على مدار سبعة قرون، وموكب المحمل يجوب شوارع القاهرة محاطاً بالتهليل والتكبير، ليحمل إبداع الأنامل المصرية متمثلاً في الحرير الأسود الموشى بالذهب والفضة. لقد كانت مصر هي محط الحجاج من مغرب الأرض، يأتونها لينالوا شرف صحبة أمير الحج المصري وهو يحمل الكسوة والخيرات لأهل مكة والمدينة.
إن الكسوة التي صنعت في دار الخرنفش أو في قرى القليوبية لم تكن مجرد قماش، بل كانت رسالة حب مطرزة بآيات الله، تنسجها أنفسٌ لم ترَ في الوجود جمالاً يضاهي جلال البيت الحرام. وحتى الفاروق عمر -رضي الله عنه- حين أوصى بقماش القباطي المصري، كان يدرك هذا الارتباط الوشيج. إنها رحلة النور التي تكتمل حين تلتقي كسوة الكعبة بكسوة الحجرة النبوية، وكأن لسان حال المصريين يقول:
من النيل شرياني إلى البيت يمتد .. وشوقي لمكة ما له حد
الخاتمة: سلامٌ على موكب الزمان
إن ارتباط مصر بالكسوة هو ارتباط بمدد السماء، فهي رداء لأطهر بقعة في المعمورة. لقد أراد الحق سبحانه لأهل مصر أن يتنسموا عبير الحج في بلدهم، فصاغوا من حنينهم خيوطاً، ومن يقينهم نسيجاً، ليظل البيت الحرام ومصر حكايةً لا تزيدها الأيام إلا جلاءً، ولا ينسخها تعاقب العصور إلا بهاءً.
سلامٌ على الحرم.. وسلامٌ على مصر.. في موكب الزمان الذي لا يعرف التوقف عن تمجيد آيات الله.

تم نسخ الرابط