كيف أعادت جولات وزيرة الثقافة الحياة إلى الإبداع ومثقفي الأقاليم؟
تمثل الجولات الميدانية التي تقوم بها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، في المحافظات المختلفة، تحولًا لافتًا في طبيعة العلاقة بين وزارة الثقافة والأقاليم، بعدما ظلت لسنوات طويلة محصورة في نطاق العاصمة، سواء من حيث الفعاليات الكبرى أو الاهتمام بالمبدعين والبنية الثقافية.
فخلال الأسابيع الأخيرة، بدا واضحًا أن الوزارة تتجه نحو إعادة اكتشاف المحافظات بوصفها خزانات حقيقية للإبداع، وليست مجرد أطراف تتلقى الأنشطة بصورة موسمية.
وشهدت عدة محافظات زيارات مكثفة لوزيرة الثقافة، شملت تفقد قصور الثقافة، والمكتبات العامة، والمراكز الإبداعية، إلى جانب لقاءات مباشرة مع الأدباء والفنانين والمسرحيين والمواهب الشابة، هذه التحركات أعادت إلى الواجهة قضية «العدالة الثقافية»، التي طالما طالب بها مثقفو الأقاليم، باعتبارها أحد أهم مفاتيح التنمية الثقافية في مصر.
أهمية هذه الجولات لا تتوقف عند الطابع الرمزي أو البروتوكولي، بل تمتد إلى تأثير عملي مباشر، يتمثل في إعادة تشغيل بعض المواقع الثقافية المتعثرة، وتسريع خطط التطوير، والوقوف على المشكلات الإدارية والفنية على الأرض بدلًا من الاكتفاء بالتقارير المكتبية، كما ساهمت تلك الجولات في تسليط الضوء على مناطق طالما عانت من التهميش الثقافي، خاصة في المحافظات الحدودية والصعيد.
ومن أبرز النتائج التي ترتبت على تلك الزيارات، تنشيط الحراك الثقافي المحلي، حيث شهدت بعض المحافظات زيادة في عدد الفعاليات الفنية والأدبية، وعودة الورش والأنشطة الموجهة للأطفال والشباب، فضلًا عن تعزيز حضور الفرق الفنية التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة داخل القرى والمراكز البعيدة.
كما انعكس ذلك على الحالة المعنوية للمبدعين في الأقاليم، الذين اعتبر كثير منهم أن التواصل المباشر مع الوزيرة والاستماع إلى مشكلاتهم يمثل خطوة مهمة نحو دمجهم في المشهد الثقافي الرسمي، بعد سنوات من الشعور بالتجاهل، فالمبدع الإقليمي، بحسب عدد من الأدباء، لا يحتاج فقط إلى منصة للنشر أو العرض، بل يحتاج أيضًا إلى إحساس حقيقي بأن الدولة ترى جهده وتمنحه الاهتمام نفسه الذي يحظى به مثقفو العاصمة.
وفي السياق نفسه، ساعدت هذه الجولات على اكتشاف نماذج شبابية جديدة في مجالات المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية والأدب، خاصة مع حرص الوزارة على متابعة الأنشطة المحلية واللقاء بالمواهب داخل المحافظات، وهو ما قد يفتح الباب مستقبلًا أمام إعادة صياغة خريطة الإنتاج الثقافي في مصر بصورة أكثر تنوعًا وتمثيلًا.
يرتبط نجاح هذه الجولات بتحويلها إلى سياسة ثقافية مستدامة، لا تقتصر على الزيارات والفعاليات المؤقتة، فالتحديات التي تواجه الثقافة في الأقاليم ما زالت كبيرة، بدءًا من ضعف التمويل، وتهالك بعض المنشآت، مرورًا بنقص الكوادر، وصولًا إلى الحاجة لتطوير المحتوى الثقافي نفسه بما يتناسب مع طبيعة كل محافظة وخصوصيتها الاجتماعية والتراثية، خاصة أن دعم مثقفي الأقاليم يتطلب أيضًا إعادة النظر في فرص النشر والتسويق والتمثيل داخل المهرجانات والفعاليات الكبرى، بحيث يصبح المبدع القادم من المحافظات حاضرًا بصورة عادلة في المشهد الثقافي المصري، لا مجرد ضيف هامشي.
وتبدو جولات وزيرة الثقافة بالمحافظات محاولة جادة لإعادة بناء الجسور بين المؤسسة الثقافية الرسمية والمجتمع المحلي، وهي خطوة قد تعيد للثقافة دورها الحيوي في صناعة الوعي واكتشاف الطاقات الجديدة.