عاجل

وفورات تشغيلية متصاعدة بفضل العمل عن بعد.. إلى أي مدى يغيّر قواعد الاقتصاد|خاص

الدكتور عادل عامر
الدكتور عادل عامر

أكد الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، أن العمل عن بُعد لم يعد مجرد نمط حديث لتنظيم العمل، بل تحول إلى ركيزة اقتصادية متكاملة تسهم بشكل مباشر في إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد الحديث، وخفض التكاليف التشغيلية، وتعزيز الإنتاجية، ودعم التحول الرقمي، وتحقيق التنمية المستدامة.

وأوضح عامر في تصريحات خاصة أن العمل عن بُعد يقوم على أداء الموظف لمهامه الوظيفية المتفق عليها خارج مقر العمل التقليدي، مثل المنزل، بالاعتماد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما في ذلك الهواتف الذكية والحواسب الآلية والمنصات الرقمية، دون الحاجة إلى التنقل اليومي إلى المقرات الإدارية أو أماكن العمل التقليدية، مشيرًا إلى أن هذا النمط غالبًا ما يتم وفق عقود مرنة قصيرة الأجل أو بنظام إنجاز المهام أو المشروعات، وبآليات دفع متنوعة تشمل الأجر بالساعة أو اليوم أو بنظام الدفعات مقابل تسليم المشاريع، بما يضمن حقوق طرفي العلاقة التعاقدية.

وأضاف أن العمل عن بُعد أصبح أحد الأدوات التي تبنتها العديد من السياسات الحكومية والمبادرات الوطنية، بهدف تقليص الفجوة بين أصحاب العمل والباحثين عن فرص عمل، خاصة الفئات التي تواجه عوائق في الالتحاق بسوق العمل التقليدي، مشيرًا إلى أنه يمثل فرصة حقيقية لدمج شرائح أوسع من القوى العاملة في الدورة الاقتصادية.

الأثر الاقتصادي المباشر

وفيما يتعلق بالأثر الاقتصادي المباشر، شدد الدكتور عادل عامر على أن العمل عن بُعد يحقق وفورات اقتصادية ملموسة على أكثر من مستوى، حيث يسهم أولًا في خفض تكاليف التشغيل داخل الشركات، من خلال تقليل الإنفاق على الإيجارات والمكاتب واستهلاك الكهرباء والصيانة والخدمات اللوجستية، وهو ما ينعكس إما في زيادة هوامش الأرباح أو تخفيض تكلفة الخدمات المقدمة.

وأشار إلى أن الموظف نفسه يستفيد اقتصاديًا من هذا النموذج، حيث تنخفض نفقاته الشخصية المرتبطة بالمواصلات والوقود والملابس الرسمية والوجبات اليومية، ما يؤدي إلى زيادة صافي دخله الفعلي وتحسين قدرته الشرائية، موضحًا أن من أبرز مكاسب هذا النظام رفع كفاءة الإنتاجية، نتيجة تقليل الوقت المهدر في التنقلات اليومية والاجتماعات غير الضرورية، مما يسمح بتوجيه الجهد والوقت نحو إنجاز المهام الفعلية بشكل أكثر كفاءة ومرونة.

وتابع الخبير الاقتصادي أن العمل عن بُعد يسهم كذلك في تخفيف الضغط على البنية التحتية، حيث يؤدي انخفاض الكثافة المرورية اليومية إلى تقليل الازدحام في المدن، وخفض استهلاك الوقود، وتقليل معدلات التلوث، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تقليل تكاليف صيانة الطرق وتحسين كفاءة شبكة النقل.

انخفاض عدد المركبات في ساعات الذروة 

وفي السياق ذاته، أوضح أن انخفاض عدد المركبات في ساعات الذروة يسهم في تحسين انسيابية الحركة المرورية، وتقليل زمن الرحلات، وخفض معدلات الحوادث المرتبطة بالازدحام، بما يحقق عائدًا اقتصاديًا غير مباشر يتمثل في تقليل الخسائر الناتجة عن تعطيل الوقت والإنتاج.

ولفت عامر إلى أن تقليل الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تقليص الحركة المرورية ينعكس إيجابًا على جودة الهواء والصحة العامة، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى خفض الإنفاق الحكومي على الخدمات الصحية المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي، وزيادة إنتاجية المجتمع نتيجة تحسن الحالة الصحية العامة، مؤكدًا العمل عن بُعد يسهم في توسيع سوق العمل بشكل كبير، حيث يتيح للشركات الوصول إلى الكفاءات البشرية في مناطق جغرافية مختلفة دون الحاجة إلى نقلهم، كما يفتح الباب أمام سكان المناطق النائية والبعيدة للحصول على فرص عمل كانت محدودة في السابق، ما يعزز العدالة الاقتصادية وتوزيع الفرص.

انتشار العمل عن بُعد ساهم في تسريع وتيرة التحول الرقمي 

واستطرد قائًلا هذا النموذج يدعم بقوة الاقتصاد الرقمي، من خلال زيادة الاعتماد على خدمات الإنترنت عالي السرعة، ومنصات الاجتماعات الافتراضية، وأنظمة إدارة المشاريع السحابية، إلى جانب تعزيز الطلب على حلول الأمن السيبراني لحماية البيانات، وهو ما يسهم في نمو قطاع تكنولوجيا المعلومات وخلق فرص استثمارية ووظيفية جديدة.

وتطرق الخبير الاقتصادي إلى أن انتشار العمل عن بُعد ساهم في تسريع وتيرة التحول الرقمي في العديد من الاقتصادات الحضرية، حيث ارتفع الطلب على البنية التحتية الرقمية والخدمات التقنية، بما في ذلك الاتصالات والبرمجيات وإدارة البيانات، وهو ما يدعم التوجه نحو اقتصاد معرفي متطور.

التحديات المرتبطة بهذا النمط من العمل

وفي المقابل، أقر الدكتور عادل عامر بوجود عدد من التحديات المرتبطة بهذا النمط من العمل، أبرزها ضعف التفاعل الاجتماعي بين الموظفين، وصعوبة الرقابة المباشرة على الأداء في بعض الحالات، إلى جانب الحاجة المستمرة إلى بنية تحتية رقمية قوية وشبكات إنترنت مستقرة وآمنة، وهو ما قد يشكل عبئًا على بعض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مشيرًا إلى أن بعض القطاعات، خاصة الصناعية والخدمية الميدانية، لا يمكنها تطبيق هذا النظام بشكل كامل، مما يخلق تفاوتًا في الاستفادة من مزاياه بين القطاعات المختلفة.

وأكد أن نجاح تطبيق العمل عن بُعد يتطلب استثمارات مستمرة في تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز أنظمة الأمن السيبراني، ووضع أطر تنظيمية وتشريعية مرنة تضمن تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية وحماية حقوق العاملين وأصحاب الأعمال.

وفيما يتعلق بالأثر الحضري، أوضح أن الاعتماد على العمل عن بُعد يسهم في إعادة توزيع استخدامات المساحات داخل المدن، حيث يمكن تقليص الحاجة إلى المساحات المكتبية التقليدية، وإعادة توجيهها نحو الاستخدامات السكنية أو الاستثمارية أو الخدمية، وهو ما يعزز كفاءة استخدام الأصول العقارية.

انخفاض الحاجة اليومية للتنقلات 

وأضاف أن انخفاض الحاجة اليومية للتنقلات يخفف الضغط على شبكات النقل والمواصلات، ويقلل من الحاجة إلى توسعات مكلفة في البنية التحتية للطرق ووسائل النقل العام، مما يحقق وفرًا اقتصاديًا طويل الأجل لافتًا إلى أن العمل من المنزل يعزز من استخدام رأس المال المنزلي مثل المساحات والتجهيزات داخل المنازل، ما يخلق نمطًا جديدًا من التوازن بين رأس المال العام والخاص في الاقتصاد الحديث.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن هذا النموذج ساهم خلال السنوات الأخيرة في رفع معدلات مشاركة بعض الفئات الهامشية في سوق العمل، مثل مقدمي الرعاية الأسرية، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، وسكان المناطق الريفية، الذين أصبحوا أكثر قدرة على الاندماج في سوق العمل بفضل مرونة العمل عن بُعد.

تم نسخ الرابط