مقاصد الحج العظمى .. استمرار دورة فقه الحج بأوقاف أسيوط
انعقدت اليوم الاثنين الموافق 4 مايو 2026م فعاليات الدورة التدريبية المتخصصة في “فقه الحج” للأئمة، بمقر مركز الثقافة الإسلامية بأسيوط، ضمن خطة علمية دعوية تستهدف ترسيخ الفهم الصحيح لأحكام الشريعة، وبناء كوادر دعوية قادرة على الإفتاء الرشيد، والتوجيه المنضبط، ومعالجة قضايا الناس وفق أصول معتبرة ومقاصد راسخة.
و استهلت فعاليات الدورة بمحاضرة علمية أصيلة ألقاها الدكتور عيد علي خليفة وكيل أوقاف أسيوط ، تناول فيها فقه الحج تناولا تأصيليا متكاملا، مستندا إلى نصوص الكتاب العزيز وصحيح السنة النبوية المطهرة، حيث أوضح أن الحج ركن عظيم من أركان الإسلام، فرضه الله تعالى على المستطيعين بقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، كما استشهد بحديث النبي ﷺ: «بُني الإسلام على خمس… وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا» (متفق عليه)، مؤكدًا أن هذه الشعيرة العظيمة تجمع بين العبادة البدنية والمالية، وتغرس في النفس معاني التوحيد الخالص، والتجرد لله، والانقياد التام لأمره سبحانه.
وأوضح “خليفة” أن الحج فرض عين مرة واحدة في العمر على كل مسلم مستطيع، مبينا شروط وجوبه من الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة، وأن الاستطاعة تشمل القدرة البدنية والمالية وأمن الطريق، في ضوء قاعدة رفع الحرج التي قررتها الشريعة، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
ثم انتقل إلى بيان أركان الحج التي لا يقوم النسك إلا بها، وهي: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، مؤكدًا أن الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم، مستدلًا بقول النبي ﷺ: «الحج عرفة» (رواه الترمذي والنسائي وصححه أهل العلم)، كما فصّل في واجبات الحج وسننه، مبرزًا الفروق الدقيقة بينها، وأثر ذلك في صحة النسك أو جبره بالدم، بأسلوب علمي يجمع بين دقة التأصيل ويسر العرض.
كما أبرز المقاصد العظمى للحج، موضحًا أنه عبادة تهدف إلى تحقيق معاني التوحيد والوحدة الإسلامية، وتعميق روح المساواة بين المسلمين، وتربية النفس على الصبر والانضباط، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 28]، مبينًا أن هذه المنافع شاملة لما يعود على العبد في دينه ودنياه.
ولم يغفل الجانب التطبيقي المعاصر، حيث تناول جملةً من النوازل الفقهية التي تهم الحجاج في العصر الحديث، مثل التعامل مع الزحام الشديد، واستخدام وسائل النقل الحديثة، والالتزام بالتنظيمات الرسمية، مؤكدًا أن الفقه الصحيح هو الذي يجمع بين مراعاة النصوص الشرعية وفهم مقاصدها، ويحقق التيسير المنضبط دون إخلال بالأحكام.
و جاءت المحاضرة الثانية للشيخ أحمد علي فراج، لتثري البناء العلمي بطرحٍ فقهي رصين، قائم على القواعد الفقهية الكلية، مثل: “المشقة تجلب التيسير”، و”لا ضرر ولا ضرار” (حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره)، حيث بيّن كيفية تنزيل هذه القواعد على واقع الحجاج، خاصة في ظل التحديات المعاصرة.
وركّز “فراج” على تصحيح المفاهيم الشائعة، والتنبيه إلى الأخطاء التي قد يقع فيها بعض الحجاج، كالتزاحم المؤدي إلى الضرر، أو تقديم بعض السنن على الواجبات، مؤكدًا أن الهدي النبوي قائم على اليسر ورفع الحرج، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: «يسروا ولا تعسروا» (متفق عليه)، كما استعرض نماذج من الفتاوى المعاصرة المبنية على اجتهادات معتبرة، كجواز الرمي في أوقات موسعة، أو استخدام الوسائل الحديثة في الطواف والسعي، أو التوكيل عند العجز، وفق ضوابط شرعية دقيقة.
وأوضح أن الفقيه الحق هو من يجمع بين فقه النص وفقه الواقع، ويُحسن تنزيل الأحكام على أحوال الناس المتغيرة، مستضيئًا بأقوال الأئمة الكبار كالإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهما الله، ومؤكدًا أن الفتوى في الحج تتطلب وعيًا عميقًا بطبيعة الزمان والمكان واختلاف أحوال الناس.



