رئيس الإنجيلية : القانون الموحد للأحوال الشخصية يحفظ قدسية الزواج
أكد الدكتور القس أندريه زكي ، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر ورئيس الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية علي أن قضايا الأحوال الشخصية تمس جوهر الحياة الإنسانية والروحية، قائلا : بأن الأسرة هي الوحدة الأساسية في بناء المجتمع، والنواة التي تتشكّل فيها ملامح الإنسان الأولى: فكراً وسلوكاً وقيماً.
ووفق تعليم كلمة الله ليست الأسرة مجرد مؤسسة ولا رابطة اجتماعية ولا إطاراً قانونياً فحسب، بل هي عهدٌ مقدّس ومسؤولية متبادلة أمام الله، ومساحة ينمو فيها الحبّ والالتزام والأمان.
لذلك فإن كل ما يتصل بالأحوال الشخصية لا يمكن النظر إليه باعتباره شأناً إدارياً وقانونياً فحسب، بل مسألة تمسّ جوهر الحياة الإنسانية والروحية، وتؤثر مباشرة في استقرار الأفراد ومستقبل الكنيسة والمجتمع».
تحديات متراكمة تعقد الإجراءات
وأضاف “ زكي” خلال ما نشر ته مجلة “النسور” الصادرة عن الهيئة القبطية الإنجيلية في عددها رقم 17 شتاء 2026، بعنوان "قانون الأحوال الشخصية بين الرؤية اللاهوتية والرعوية والمسؤولية الوطنية"، بأنه على مدار عقود، وفي إطار متغيّرات اجتماعية واقتصادية عميقة، ظهرت تحديات متراكمة في هذا الشأن، تمثلت في بعض القضايا التي تعقّدت إجراءاتها، وأسر طال انتظارها لحلول واضحة، وتساؤلات مشروعة حول كيفية المواءمة بين ثبات المبادئ الإنجيلية ومتطلبات التنظيم القانوني المنصف. وبين الحرص على قدسية الزواج وصون الأسرة، والالتزام بالمسؤولية الوطنية واحترام الإطار الدستوري، برزت الحاجة إلى معالجة أكثر تحديداً واتساقاً لقضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين.
ثلاثة أسئلة لجوهر الإشكالية
وتابع: «ومن هنا، ونحن نفتح هذا الملف حول الأحوال الشخصية والقانون الجديد، فإننا نسعى إلى طرح هادئ ومسؤول، يستند إلى الرؤية اللاهوتية والخبرة الرعوية، وينفتح في الوقت ذاته على مقتضيات العدالة والتنظيم. وتتقدم أمامنا ثلاثة أسئلة محورية تمهد لمسار هذا الحوار: ما جوهر الإشكالية القائمة؟ ولماذا نحتاج إلى قانون منظم وموحّد؟ وما الأثر المرجوّ منه في واقعنا الكنسي والمجتمعي والوطني؟».
السياق التاريخي: من الامتيازات الطائفية للإطار الوطني
وأوضح: «وإذا نظرنا إلى التطور التشريعي في سياقه التاريخي، نجد أن مسألة الأحوال الشخصية لغير المسلمين في مصر ارتبطت منذ القرن التاسع عشر بمبدأ الامتيازات الطائفية، ثم انتقلت إلى إطار وطني مع إلغاء المحاكم المختلطة والشرعية وصدور قوانين تنظيم القضاء الوطني في النصف الأول من القرن العشرين، وقد كرّست التشريعات المتعاقبة وصولاً إلى الدساتير الحديثة، مبدأ احتكام غير المسلمين إلى شرائعهم في مسائل الأحوال الشخصية متى تحدت الطائفة والملة، وهو ما أكدته أحكام المحكمة الدستورية العليا في أكثر من مناسبة، معتبرةً أن المرجعية الدينية للطوائف المسيحية جزء من حمايتها الدستورية لحرية العقيدة».
«الازدواج المرجعي» يدفع لتغيير الطائفة
ولفت إلى أن «التطبيق العملي كشف عن تعقيدات متصلة بتعدّد المرجعيات داخل البيت المسيحي نفسه؛ إذ احتفظت كل طائفة -ومن بينها الطائفة الإنجيلية- بلائحتها الخاصة المنظمة للزواج والطلاق، ما أوجد تفاوتاً في أسباب التطليق وإجراءاته. كما أن غياب إطار تشريعي موحّد لفترة طويلة أدى إلى بروز ظاهرة ما يمكن وصفه بـ«الازدواج المرجعي»، حيث قد يجد المتقاضي نفسه بين تفسير كنسي داخلي وإجراءات قضائية مدنية تختلف في إيقاعها ومعاييرها. وقد نتج عن ذلك في بعض الحالات لجوء أفراد إلى تغيير الطائفة كحل قانوني للحصول على حكم بالطلاق، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول العلاقة بين حرية الانتماء الديني واستخدامها كأداة إجرائية».
توحيد الإطار العام مع الإبقاء على الخصوصيات
وقال: «ومن ثمّ، فإن تشريع قانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين المصريين هو محاولة لتوحيد الإطار العام مع الإبقاء على الخصوصيات اللاهوتية لكل كنيسة. ومع ذلك، لا تزال التحديات العملية قائمة، خاصة في ما يتعلق بتفعيل آليات الوساطة الأسرية، وتسريع إجراءات التقاضي، وتوضيح العلاقة بين القرار الكنسي والحكم القضائي. وهنا تتأكد أهمية الجمع بين الرؤية الرعوية والحكمة التشريعية، بحيث تُحفظ قدسية الزواج، وفي الوقت نفسه تتوفر ضمانات العدالة والرحمة لمن يتعثرون في مسيرتهم الأسرية».
لماذا القانون الموحد؟ وحدة الشهادة واستقرار الأسرة
وأضاف: «تنبع الحاجة إلى قانون موحّد للأحوال الشخصية للمسيحيين من اعتبارات لاهوتية وكنسية واجتماعية ووطنية متكاملة، تتجاوز فكرة التنظيم الإداري إلى مستوى أعمق يتصل بوحدة الشهادة واستقرار الأسرة. فالزواج في الفهم الإنجيلي علاقة حب عهدي مقدسة، لكنه في الوقت ذاته علاقة قانونية تترتب عليها حقوق وواجبات واضحة. وعندما تغيب المرجعية التشريعية الموحدة أو تتعدد الأطر المنظمة بين طائفة وأخرى، ينشأ قدر من الارتباك ينعكس على الأفراد ويؤثر في استقرارهم النفسي والاجتماعي».
القانون الموحد يحد من التنقل بين الانتماءات
وأكد أن «وجود قانون موحّد لا يعني إلغاء الخصوصيات اللاهوتية، بل يهدف إلى وضع إطار عام يجمع بين الثوابت المشتركة للكنائس المسيحية في مصر. يسهم هذا الإطار في تقليل التباين في الإجراءات، ويحد من ظاهرة التنقل بين الانتماءات بدافع البحث عن مسار قانوني أسهل. وهنا تبرز قيمة الوحدة، لا بوصفها شعاراً، بل كضمانة عملية تحمي قدسية الزواج من أن تتحول إلى مجال لاجتهادات متعارضة أو مسارات متباينة».
الوضوح القانوني يمنح الأسر مساحة يقين
وتابع: «ومن منظور رعوي واجتماعي، فإن غياب الوضوح القانوني قد يضاعف من معاناة الأسر التي تمر بأزمات. فالأسرة المتألمة تحتاج إلى إجراءات محدّدة، ونتائج واضحة، حتى تستطيع أن تتخذ قراراتها في هدوء ومسؤولية. القانون الموحّد يمنح هذه المساحة من اليقين، ويضع حدوداً واضحة للعلاقة بين الدور الكنسي والدور القضائي».
التوحيد يعزز المواطنة ولا يمثل مطلباً طائفياً
وقال: «أما على المستوى الوطني، فإن توحيد الإطار القانوني يعزز مبدأ المواطنة القائمة على احترام خصوصية العقيدة في نطاقها المشروع، ويؤكد على احترام مبدأ سيادة القانون، واحترام التعددية وحرية العقيدة. وبناءً على هذا يدعم استقرار المجتمع كله. فاستقرار الأسرة المسيحية هو جزء من استقرار المجتمع المصري بأسره. ومن ثمّ، فإن الحاجة إلى قانون موحّد ليست مطلباً طائفياً، بل خطوة نحو تنظيم أكثر عدلاً واتساقاً، يحقق التوازن بين الرؤية المسيحية لمنظومة الأسرة والسياق القانوني والوطني».
ثمار القانون: وضوح واستقرار يخفف الأعباء
وأوضح: «إن وجود إطار قانوني واضح ومتفق عليه يمكن أن يحقق ثماراً مهمة على أكثر من مستوى. تتمثل هذه النتائج في تحقيق قدر أكبر من الوضوح والاستقرار القانوني. فحين تكون الإجراءات محددة والمعايير معلنة، يقل الارتباك، وتصبح القرارات أكثر قابلية للتوقع. هذا الوضوح لا يخفف فقط من الأعباء الإدارية، بل ينعكس مباشرة على الحالة النفسية للأسر التي تمر بأزمات، إذ يمنحها إحساساً بأن الأمور تسير في مسار منظم وعادل».
القانون فرصة لتفريغ الكنيسة للإرشاد الأسري
وأضاف: «كما يمكن أن يشكل القانون فرصة لتجديد الدور الرعوي للكنيسة؛ فحين يستقر الإطار القانوني، تتفرغ الخدمة الكنسية بصورة أعمق للإرشاد الأسري، والإعداد الواعي للزواج، والمرافقة الروحية في أوقات الأزمات. وهكذا يصبح القانون معيناً للخدمة لا عبئاً عليها، ويعمل إلى جانب الرعاية الروحية في حفظ قدسية الزواج وصون كرامة الإنسان».
القانون يوفر أرضية عادلة للثبات
وشدد على أن «النتيجة الأسمى هي تعزيز استقرار الأسرة المسيحية كشهادة حية داخل المجتمع. فالقانون وحده لا يصنع أسراً متماسكة، لكنه يوفر أرضية عادلة تساعدها على الثبات. وإذا اقترن التشريع بالحكمة والرعاية، أمكن أن يسهم في بناء واقع أكثر اتزاناً ورحمة، يحفظ قدسية العهد ويصون سلام المجتمع».
الانشغال بالإنسان والأسرة والمستقبل
واختتم: «وأخيراً، من المهم أن نؤكد أن الحديث عن الأحوال الشخصية ليس انشغالاً بنصوص قانونية بقدر ما هو انشغال بالإنسان والأسرة والمستقبل. فالكنيسة، وهي تناقش هذا الملف تتحرك بدافع الأمانة لرؤيتها اللاهوتية ومسؤوليتها الرعوية، وحرصها على استقرار أبنائها وسلام المجتمع الذي تنتمي إليه وتخدمه. إن أي قانون، مهما بلغت دقته، يظل إطاراً منظماً يحتاج إلى ضمير حيّ وروح محبة حتى يحقق غايته. ومن ثمّ، فإن إقرار قانون موحّد ينبغي أن يترافق مع تجديد مستمر في الإرشاد الأسريّ، والإعداد الواعي للزواج، وتعميق ثقافة الحوار والمصالحة داخل بيوتنا وكنائسنا. فالإصلاح الحقيقي لا يصنعه التشريع وحده، بل تصنعه قلوب تدرك قدسية العهد ومسؤولية الحرية. وإذ نضع هذا الملف أمام القارئ، نصلي أن يكون هذا المسار خطوة نحو مزيد من الوضوح في المرجعية والتنظيم والرؤية الرعوية والاجتماعية. هدفنا أن تبقى الأسرة المسيحية مساحة أمان ونمو، وأن تظل شهادتنا في المجتمع شهادة اتزان وحكمة، تجمع بين ثبات الإيمان والوعي بالواقع، وبين قدسية المبدأ وإنسانية المعالجة».