زلزال في سوق النفط.. هل يبدأ تفكك منظمة أوبك بعد انسحاب الإمارات؟|تقرير
أثار إعلان الإمارات العربية المتحدة الانسحاب من تحالف منظمة أوبك موجة واسعة من التساؤلات داخل أسواق الطاقة العالمية، حول مستقبل المنظمة وقدرتها على الحفاظ على تماسكها في ظل المتغيرات الاقتصادية والسياسية المتسارعة، فبينما يرى البعض أن الخطوة تمثل تحركًا منفردًا يعكس حسابات اقتصادية خاصة، يحذر آخرون من أنها قد تكون بداية لتحولات أوسع داخل التحالف، قد تدفع دولًا أخرى لإعادة تقييم جدوى استمرارها.
تحالف منظمة أوبك
وتأتي هذه التطورات في وقت بالغ الحساسية، حيث تواجه “أوبك” ضغوطًا متزايدة للحفاظ على استقرار الأسعار، بالتوازي مع رغبة بعض الدول الأعضاء في زيادة إنتاجها لتعظيم عوائدها، وهو ما يضع المنظمة أمام معادلة صعبة بين ضبط السوق والاستجابة لمصالح أعضائها.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى السؤال الأهم مطروحًا، هل يمثل خروج الإمارات بداية لتفكك تدريجي داخل “أوبك”، أم أن التحالف لا يزال قادرًا على امتصاص الصدمات والحفاظ على دوره التاريخي في إدارة سوق النفط العالمي؟:
فمن جانبه أكد المهندس مدحت يوسف، خبير الطاقة، أن الحديث عن انهيار منظمة أوبك بعد خروج الإمارات يظل سابقًا لأوانه، مشيرًا إلى أن تأثير أي انسحاب منفرد سيكون محدودًا على السوق العالمي.
خفض المعروض عند الحاجة
وأوضح يوسف، في تصريحات خاص لنيوز رووم، أن فلسفة “أوبك” تقوم أساسًا على تنسيق مستويات الإنتاج بين الدول الأعضاء للحفاظ على استقرار الأسعار، من خلال خفض المعروض عند الحاجة، وهو ما يضمن تحقيق توازن في السوق وحماية عائدات الدول المنتجة.
وأضاف الخبير في الطاقة، أن خروج الإمارات قد يتيح لها زيادة صادراتها من فائض الإنتاج، والذي يُقدر بنحو نصف مليون برميل يوميًا، وهو ما قد يضيف كميات إضافية إلى السوق، لكنه لن يُحدث تأثيرًا كبيرًا، نظرًا لأن حجم التداول العالمي يتجاوز عشرات الملايين من البراميل يوميًا.
الخروج يضعف تماسك المنظمة
وأشار إلى أن التأثير الحقيقي لا يرتبط بخروج دولة بعينها، وإنما يكمن في احتمالية تكرار السيناريو من قبل دول أخرى، وهو ما قد يُضعف تماسك التحالف تدريجيًا.
ولفت خبير الطاقة إلى أن تجارب سابقة مثل خروج قطر وأنجولا لم يكن لها تأثير يُذكر، نظرًا لمحدودية إنتاجهما النفطي مقارنة بكبار المنتجين.
استقرار سوق النفط العالمي
وشدد يوسف على أن العامل الحاسم في استقرار سوق النفط العالمي يظل مرتبطًا بدور السعودية، موضحًا أن أي تغيير في موقفها داخل تحالف “أوبك+” قد يؤدي إلى اضطرابات حادة، بل وانهيار في الأسعار حال انسحابها.
وأوضح أن انهيار الأسعار يمثل خطرًا كبيرًا على الدول المنتجة، إذ قد تهبط إلى مستويات متدنية للغاية، ما يفقد هذه الدول جزءًا كبيرًا من عوائدها، رغم امتلاكها طاقات إنتاجية غير مستغلة، مؤكدًا على أن أي حديث عن انهيار “أوبك” يظل مرتبطًا بسيناريوهات معقدة، أبرزها خروج عدد كبير من الدول أو تغير مواقف الدول الكبرى، وهو أمر تحكمه اعتبارات سياسية واقتصادية متشابكة، وليس مجرد قرار منفرد من دولة واحدة.
ومن جانبه أكد الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن خروج منظمة أوبك في الوقت الحالي من جانب دول أخرى، على غرار الإمارات، لا يزال أمرًا غير مطروح بقوة، رغم وجود بعض الدول التي قد تجد في ذلك مصلحة اقتصادية مستقبلًا.
انسحاب دول جديدة من “أوبك”
وأوضح القليوبي، في تصريحات خاصة لنيوز رووم، أن التوقيت الراهن لا يشجع على انسحاب دول جديدة من “أوبك”، حتى وإن كانت دولًا صغيرة يتراوح إنتاجها بين 1.5 إلى 2 مليون برميل يوميًا، مشيرًا إلى أن أي خطوة من هذا النوع قد تُحدث ارتباكًا واسعًا داخل المنظمة، وتؤثر على توازناتها التي حافظت عليها على مدار أكثر من 60 عامًا، خاصة في ظل الدور المحوري الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في ضبط إيقاع السوق النفطي.
وأضاف أستا هندسة البترول، أن بعض الدول مثل ليبيا والعراق وإيران قد تفكر نظريًا في إعادة تقييم موقفها داخل المنظمة، نظرًا لاحتياجاتها الاقتصادية ورغبتها في زيادة الإنتاج، إلا أن القيود التنظيمية داخل “أوبك” تفرض عليها سقوفًا إنتاجية قد تحد من تحقيق أقصى عائد اقتصادي لها.
الخروج من منظمة أوبك
وأشار إلى أن هذه الدول تعتمد بشكل كبير على عوائد النفط في دعم اقتصاداتها، ما قد يدفعها مستقبلاً للتفكير في مرونة أكبر خارج إطار الالتزامات الحالية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن خروج أي من هذه الدول سيترتب عليه تداعيات معقدة داخل المنظمة، قد تؤدي إلى إعادة ترتيب سياساتها وآليات عملها.
وفيما يتعلق بمستقبل “أوبك”، لفت القليوبي إلى وجود تهديدات غير مباشرة، على رأسها السياسات الأمريكية، موضحًا أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى تعزيز نفوذها في أسواق الطاقة العالمية، والعمل على تقليل تأثير الكيانات المنظمة للسوق مثل “أوبك”، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
انسحاب دول جديدة من “أوبك”،
إعادة تشكيل خريطة الطاقة عالميًا
وأضاف أستاذ هندسة البترول، أن الضغوط الاقتصادية، ومحاولات التأثير على الدول المنتجة، قد تمثل أدوات لإعادة تشكيل خريطة الطاقة عالميًا، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحركات تستهدف تقليص نفوذ المنظمة، خاصة في ظل التنافس الدولي على مصادر الطاقة، مؤكدًا على أن أي حديث عن انهيار “أوبك” لا يزال سابقًا لأوانه، لكنه شدد على أن مستقبل المنظمة سيظل مرهونًا بقدرتها على التماسك، والتكيف مع المتغيرات الدولية، والحفاظ على مصالح أعضائها في ظل بيئة اقتصادية وسياسية شديدة التعقيد.