«بدر 2026».. محمود بسيوني: رسائل قوة بالذخيرة الحية اثبات لقدرة المقاتل المصري
أعرب الكاتب الصحفي محمود بسيوني رئيس تحرير أخبار اليوم عن تقديره و اعتزازه بمتابعة وقائع المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) في مقاله الأسبوعي، واستعرض الكاتب الصحفي ما قامت به قواتنا المسلحة من خلال إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية، وهي واحدة من أرقى تدريبات القوات المسلحة حول العالم
وإلى نص المقال : " واستعرض المشروع مستوى التنسيق الراقي بين كل أسلحة القوات المسلحة، وطريقة إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم، بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة.
وجرى ذلك تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي، ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه، وعرقلة تقدم الاحتياطات.
تجلّت أمامي صورة عظيمة بالغة الاحترافية والدقة لعملية الدفع بالعناصر المدرعة والميكانيكية لاختراق الدفاعات المعادية والاشتباك معها وتدميرها، بمعاونة الهليكوبتر المسلح وعناصر المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات للتصدي لهجمات العدو المضادة.
كما استعرضت عناصر القوات الخاصة من المظلات والصاعقة إمكانياتها الفائقة خلال تنفيذ أعمال الإبرار والإغارة لتدمير الأهداف المكتشفة.
الحقيقة أنني كنت على موعد مع عرض راقٍ ومبهر لقدرات قواتنا المسلحة، بدعوة مقدّرة من إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، يحمل ما هو أبعدُ من الكفاءة العسكرية المشهود بها للجيش المصري العظيم. لقد كان المشروع بمثابة رسالة قوة وجاهزية، تأتي في لحظة إقليمية تتكاثف فيها الأزمات وتتصاعد فيها حسابات القوة، لترسم معادلة قوة وقدرة بالذخيرة الحية، ورسالة استراتيجية متعددة الطبقات تُطمئن المواطن المصري وتؤكد الجاهزية لأي تحدٍ، مع التأكيد على أن القوة هي التي تحمي السلام.
هكذا قرأت أحداث المشروع التكتيكي «بدر 2026»، الذي شهده الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من قادة القوات المسلحة والدارسين بالكليات والمعاهد العسكرية وطلبة الجامعات المصرية حيث تجاوزت رسائله الإطار العسكري، إلى فضاء أوسع من الدلالات المرتبطة بالأمن القومي المصري.
منذ اللحظة الأولى، حمل المشروع دلالة واضحة: نحن أمام مؤسسة عسكرية عصرية، تدرس بعناية تطورات الحروب الحديثة، والدروس المستفادة من كل الصراعات الإقليمية والدولية ، وتُعيد صياغة جاهزيتها وفق معادلات المستقبل.
فالتأكيد المتكرر على الحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي لم يكن شعارًا، بل انعكس عمليًا في طبيعة السيناريو المنفذ، الذي جمع بين التخطيط المتقدم والتنفيذ المتكامل والجاهزية العالية للفرد المقاتل.
وهو ما يؤكد كفاءة الأنظمة التدريبية التي يتلقاها الفرد المقاتل، وهم من خيرة شباب مصر الذين ينتمون الى جيل ما بعد الالفية .
اللافت في «بدر 2026» كان الاهتمام الكبير من جانب القوات المسلحة ببناء الفرد المقاتل، والانتقال من مفهوم الجندي التقليدي إلى المقاتل الشامل الواعي، وهو عمل نوعي يعكس إدراكًا بأن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بامتلاك القدرات العسكرية وحدها، بل بقدرة الفرد المقاتل على استيعاب التكنولوجيا، والتعامل مع بيئات قتال معقدة، واتخاذ القرار تحت ضغط متغير.
وعلى مستوى إدارة العمليات، قدم المشروع التكتيكى نموذجًا واضحًا لما يُعرف بـ"الحرب المشتركة" ، حيث تكاملت أدوار الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة في مشهد واحد منضبط الإيقاع ، وفي الوقت نفسه، اندفعت القوات المدرعة والميكانيكية لاختراق الخطوط الأمامية، مدعومة بالهليكوبتر المسلح والمقذوفات الموجهة.
وفي عمق المشهد، تحركت عناصر الصاعقة والمظلات لتنفيذ أعمال الإبرار والإغارة، في تجسيد عملي لقدراتها الفذّة والاستثنائية وتدريبها الراقي، والذي يُمكّنها من تنفيذ المهام الدقيقة والمعقدة. هذا النمط من الأداء لا يعكس فقط كفاءة قتالية فقط ، بل يكشف عن بنية قيادة وسيطرة قادرة على إدارة معركة متعددة المستويات.
ويكتسب ذلك بعدًا إضافيًا مع حرص القيادة العسكرية على مناقشة القادة والضباط في تفاصيل التخطيط وأساليب التعامل مع المواقف الطارئة.
وهو ما يعكس اهتمامًا واضحًا ببناء عقل عسكري مرن، لا يكتفي بتنفيذ الأوامر، بل يمتلك القدرة على التقدير واتخاذ القرار في ظروف قتالية معقدة.
تدرك مصر أن الحفاظ على السلام وحماية أمن مصر مرهون بامتلاك القوة والقدرة العسكرية، فالدولة التي تمتلك القدرة على الردع، هي وحدها القادرة على حماية الاستقرار وصون مقدراتها من الانزلاق إلى الفوضى.
ومن هذا المنطلق، تبدو «بدر 2026» أكثر من مجرد تدريب؛ إنها تجسيد عملي لفلسفة استراتيجية ترى أن الحفاظ على السلام يمر عبر الجاهزية الدائمة والاستعداد لكل الاحتمالات.
وفي هذا السياق، تأتي الرسالة الأوسع: أن مصر لا تتحرك بردود الأفعال، بل تبني قدراتها وفق تصور شامل، يأخذ في الاعتبار كافة سيناريوهات التطور في الإقليم، بدءًا من التصعيد المحدود، إلى الأزمات المركبة، وصولًا إلى التهديدات غير التقليدية.
وهو ما يفسر هذا المستوى من التنوع في أنماط التدريب، والتكامل في استخدام الأفرع، والمرونة في إدارة المواقف القتالية.
غير أن البعد الأكثر أهمية يتمثل في الرسالة التي حملها المشروع إلى المواطن المصري، وهي: "اطمئن وافخر بقواتك المسلحة وقدرتها على فرض الأمن والاستقرار في ربوع وطن يعيش في محيط ملتهب بالحروب والصراعات."
وكان حضور شيوخ وعواقل شمال وجنوب سيناء مع طلبة الجامعات يؤكد اتصال الماضي بالحاضر، وأن دروس تحرير سيناء لا تزال حاضرة، وأن قبائل سيناء جزء لا يتجزأ من الشعب المصري. كما أن طلبة الجامعات يمثلون جسر التواصل بين القوات المسلحة وجنود الغد، وانعكاسًا لإدراك القيادة المصرية لأهمية الاتصال الاستراتيجي، وبناء جسور الثقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، وترسيخًا لمفهوم أن امتلاك جيش قوي يعني دولة مستقرة.
"بدر 2026" لم يكن تمرينًا عسكريًا عابرًا، بل رسمًا واعيًا لملامح عقيدة قتالية راسخة ، تأسست على التكامل، وتضع الإنسان في قلب المعادلة، وتتعامل مع الردع باعتباره فن إدارة القوة لا مجرد امتلاكها، استخدامًا وتوقيتًا، وثباتًا في مواجهة أعقد اللحظات وأشدها تداخلاً سياسيًا واقتصاديًا"