تنشيط السوق وترشيد الطاقة..أسباب إلغاء الغلق المبكر واستمرار العمل عن بُعد|خاص
أثارت قرارات لجنة إدارة الأزمات برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، بشأن إلغاء قرار الغلق المبكر للمحال التجارية مع استمرار العمل عن بُعد في عدد من قطاعات الجهاز الإداري للدولة يوم الأحد من كل أسبوع، حالة من الجدل والتساؤلات حول الدوافع من وراء هذه القرارات.
في البداية أكد النائب أمير الجزار، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، أن قرار الحكومة بإلغاء قرار غلق المحال التجارية يمثل خطوة إيجابية في اتجاه تنشيط الحركة الاقتصادية وعودة الحياة لطبيعتها في الأسواق والمناطق الخدمية.
عودة عمل المحال التجارية ستخدم العديد من القطاعات
وأضاف الجزار، في تصريحات خاصة، أن عودة عمل المحال التجارية ستخدم العديد من القطاعات وعلى رأسها المطاعم والكافيهات والمناطق السياحية، وهو ما يسهم في دعم العمالة اليومية وزيادة حركة الدخل، مشيرًا إلى أن إعادة فتح الأنشطة حتى ساعات متأخرة يمنح دفعة قوية للاقتصاد، ويعيد تشغيل العمالة التي توقفت أو تضررت خلال فترة القيود، بما ينعكس بشكل مباشر على أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة.
وأشار عضو اللجنة الاقتصادية إلى أن الحكومة كانت قد أعلنت في وقت سابق تحقيق وفر مالي نتيجة استمرار العمل عن بعد في يوم الأحد من كل أسبوع، إلا أن ذلك تسبب في حالة من التباطؤ داخل عدد من القطاعات، لافتًا إلى أن يوم الأحد أصبح يُنظر إليه كـ«عمل عن بعد» لكنه تحول لدى المواطنين إلى ما يشبه الإجازة.
وتساءل الجزار عن ربط بعض الإجراءات بظروف خارجية، قائلًا إن مبررات مثل تداعيات الحرب أو غيرها لا تبدو واضحة بشكل كامل في ظل استمرار الأوضاع دون تغيير جوهري، لذلك لابد أن تكون القرارات الاقتصادية أكثر ارتباطًا بالواقع المحلي واحتياجات المواطنين، فالمرحلة الحالية تتطلب تحقيق توازن بين ترشيد الإنفاق الحكومي ودعم النشاط الاقتصادي، بما يضمن عدم تعطيل مصالح المواطنين أو التأثير على دورة الإنتاج والعمل في السوق.
من جانبه أكد النائب إبراهيم الديب، عضو مجلس النواب، أن قرار الحكومة بإلغاء مواعيد غلق المحال التجارية بالتوازي مع استمرار بعض أنماط العمل عن بُعد يعكس رؤية قائمة على الموازنة بين الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية، بعد فترة من التطبيق التجريبي والإعادة للتقييم.
قرار غلق المحال
وقال الديب، في تصريحات خاصة لـ"نيوز رووم"، إن الحكومة بقيادة طبقت قرار غلق المحال بشكل تجريبي خلال الفترة الماضية وتمت زيادة ساعات العمل لمدة ساعتين إضافيتين وهو ما أتاح فرصة حقيقية لقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي سواء من حيث توفير الطاقة أو تأثيره على حركة السوق والعمالة.
وأضاف أن الاقتصاد المصري يعتمد بدرجة كبيرة على تعدد مصادر دخل الأفراد، حيث لا يقتصر كثير من المواطنين على وظيفة واحدة، بل يعتمدون على أعمال إضافية في المساء، وهو ما تأثر بشكل واضح مع تقليص ساعات العمل، خاصة في قطاعات مثل المطاعم والمحال والكافيهات، مشيرًا إلى أن قرار العودة لفتح المحال في مواعيد طبيعية لاقى ارتياحًا واسعًا بين المواطنين وأصحاب الأنشطة لأنه أعاد تشغيل شرائح واسعة من العمالة اليومية، حتى وإن كانت العوائد الفردية محدودة، إلا أنها تمثل فارقًا مهمًا لأصحاب الدخل اليومي.
القطاعات الأكثر تأثرًا بإلغاء قرار غلق المحال
وأوضح الديب أن القطاعات السياحية وغير السياحية التي تعتمد على فترات المساء كانت الأكثر تأثرًا، لافتًا إلى أن القاهرة ليلًا تمثل عنصر جذب سياحي مهم، خاصة للزائرين من الدول العربية والخليجية.
وفيما يتعلق باستمرار العمل عن بُعد، أكد عضو مجلس النواب أنه يستهدف ترسيخ مسار التحول الرقمي داخل مؤسسات الدولة، ودفع الجهات الحكومية نحو استخدام الخدمات الإلكترونية بشكل أوسع، خاصة في ظل ما تم إنجازه من بنية تحتية رقمية وقواعد بيانات متطورة.
الجاهزية الرقمية للدولة
وتابع أن التجربة كشفت خلال فترات الأزمات السابقة، مثل جائحة كورونا، أهمية الجاهزية الرقمية للدولة، مشيرًا إلى أن التوسع في العمل عن بُعد يسهم أيضًا في تخفيف الضغط على شبكات المواصلات العامة واستهلاك الكهرباء داخل المؤسسات الحكومية، والقرارات الحالية تمثل مرحلة انتقالية نحو تطوير أكبر في أسلوب إدارة العمل داخل الدولة، بما يحقق الكفاءة دون الإضرار بالمواطن أو تعطيل مصالحه.
وفي سياق متصل أكد الدكتور عز الدين حسانين، الخبير الاقتصادي، أن قرار اللجنة المركزية لإدارة الأزمات برئاسة رئيس مجلس الوزراء، بإنهاء العمل بمواعيد الغلق الاستثنائية للمحال التجارية والعودة إلى المواعيد الصيفية الطبيعية اعتبارًا من 28 أبريل 2026، يعكس توجهًا حكوميًا لإعادة تنشيط الاقتصاد، في مقابل الاستمرار في سياسات ترشيد الإنفاق داخل الجهاز الإداري للدولة.
إلغاء قرار غلق المحال يمنح مرونة أكبر لأصحاب الأنشطة التجارية
وأوضح حسانين، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن القرار الجديد ينص على غلق المحال يوميًا في تمام الساعة 11 مساءً، مع مدّ العمل حتى 12 منتصف الليل يومي الخميس والجمعة وهو ما يمنح مرونة أكبر لأصحاب الأنشطة التجارية والمطاعم والكافيهات، خاصة في ظل زيادة معدلات الاستهلاك خلال فصل الصيف وعودة العمل بالتوقيت الصيفي.
وأضاف أن الحكومة رأت أن المرحلة الحالية تسمح بعودة الأنشطة الاقتصادية إلى طبيعتها دون الحاجة إلى القيود الزمنية المشددة التي كانت مفروضة في وقت سابق كإجراء مؤقت، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تستهدف دعم حركة البيع والشراء وتنشيط الأسواق، لا سيما في أوقات الذروة المسائية وتقييم القرار لا يمكن فصله عن معادلة المكسب والخسارة، حيث كانت الحكومة تحقق وفرًا مباشرًا من خلال تقليل استهلاك الطاقة، إذ استهدف الغلق المبكر للمحال في العاشرة مساءً توفير ما بين 250 إلى 300 مليون دولار شهريًا من فاتورة استيراد المازوت والغاز الطبيعي المستخدمين في تشغيل محطات الكهرباء.
القرار خفف اللجوء إلى تخفيف الأحمال
وأشار الخبير الاقتصادي أن خفض الاستهلاك خلال ساعات الذروة كان يسهم أيضًا في تقليل احتمالات اللجوء إلى تخفيف الأحمال، وهو ما يحمي القطاع الصناعي من انقطاعات الكهرباء التي قد تتسبب في خسائر إنتاجية كبيرة.
في المقابل، لفت حسانين إلى أن الاقتصاد المصري يعتمد بشكل أساسي على الاستهلاك الخاص بنسبة تتجاوز 80%، ما يجعل أي تقليص في ساعات النشاط التجاري له تأثير مباشر على معدلات النمو، خاصة في قطاعات التجارة الداخلية والمطاعم والفنادق.
تراجع في مبيعات قطاع التجزئة
وأضاف أن تقليص ساعات العمل بنحو ساعتين يوميًا كان يؤدي إلى تراجع في مبيعات قطاع التجزئة تتراوح بين 10% و15%، وهو ما ينعكس بدوره على الناتج المحلي الإجمالي، في ظل مساهمة قطاع التجارة بنحو 14% من إجمالي الناتج.
وأشار إلى أن استمرار هذا الإجراء لفترات طويلة كان قد يؤدي إلى فقدان نمو محتمل يتراوح بين 0.5% و1% من الناتج المحلي السنوي، موضحًا أن كل ساعة غلق إضافية خلال أوقات الذروة قد تعني خسارة مئات الملايين من الجنيهات يوميًا كقيمة مضافة.
وأكد أن الحكومة خلصت في تقييمها إلى أن التكلفة غير المباشرةالمتمثلة في تراجع الحصيلة الضريبية، وتباطؤ نمو قطاع التجارة، وتضرر المشروعات الصغيرة بدأت تتجاوز الوفورات المباشرة المحققة من خفض استهلاك الطاقة، كما أن دخول التوقيت الصيفي يسهم بطبيعته في خفض استهلاك الكهرباء بنحو 1% على المستوى القومي، ما عزز من توجه الدولة لإعادة فتح الأسواق وتحريك ماكينة الاستهلاك باعتبارها محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي.
استمرار العمل عن بُعد يوم الأحد
وفيما يتعلق بقرار استمرار العمل عن بُعد يوم الأحد للعاملين في الجهاز الإداري للدولة، أوضح حسانين أن هذا التوجه يخدم أهدافًا مختلفة، على رأسها ترشيد استهلاك الطاقة داخل المباني الحكومية الكبرى خلال فترات الذروة، مشيرًا أن العمل عن بُعد يسهم أيضًا في خفض النفقات التشغيلية للمقار الحكومية، مثل استهلاك الكهرباء والتكييفات والمصاعد، إلى جانب تقليل الضغط على شبكات المواصلات العامة وتخفيف الازدحام المروري، خاصة في بداية الأسبوع.
وتابع الخبير الاقتصادي أن القرار يحمل بعدًا استراتيجيًا يتمثل في دعم التحول الرقمي وتعزيز ثقافة العمل الإلكتروني، من خلال اختبار كفاءة البنية التحتية التكنولوجية والخدمات الحكومية المقدمة عن بُعد، مشددًا على أن الحكومة تسعى من خلال هذه السياسات إلى تحقيق توازن دقيق بين تنشيط القطاع الخاص وزيادة معدلات الاستهلاك من جهة وترشيد الإنفاق العام وتحسين كفاءة استخدام الموارد من جهة أخرى بما يدعم استدامة النمو الاقتصادي في ظل التحديات الحالية.