كيف نغرس الرضا في نفوس أطفالنا ؟ د.جيهان ياسين توضح لـ نيوز رووم
أكدت واعظة الأوقاف الدكتورة جيهان ياسين أن السلوكيات اليومية التي يراها الطفل في محيطه الأسري تمثل المعلم الأول والأعمق تأثيرا في تشكيل وعيه، مشيرة إلى أن الطفل لا يتعلم من الكلمات المجردة بقدر ما يكتسب من الأفعال والمشاعر التي يعيشها ويراقبها عن قرب.
وقالت الدكتورة جيهان ياسين لـ نيوز رووم: إن تربية الأبناء على قيمة “الرضا” لا يمكن أن تختزل في نصائح عابرة أو توجيهات لفظية، بل هي مشروع تربوي متكامل يبدأ من داخل الوالدين أنفسهم، وينعكس في طريقة تعاملهم مع تفاصيل الحياة، سواء في أوقات الوفرة أو النقص. فالطفل، بحسب قولها، يراقب كيف يستقبل الكبار ما لا يرغبون فيه، وكيف يتعاملون مع ما ينقصهم، ومن خلال هذه المواقف تتشكل لديه رؤيته للحياة: هل هي مجال للطمأنينة والرضا، أم ساحة دائمة للشعور بالعجز والنقص.
وأضافت أن الفارق بين الأطفال الذين يشعرون بالاكتفاء والسكينة، وأولئك الذين يسيطر عليهم الإحساس بالحرمان، لا يكمن في حجم ما يملكونه، بل في الطريقة التي تعلموا بها النظر إلى ما بين أيديهم. فهناك من يملك الكثير لكنه لا يشعر بالرضا، في حين يعيش آخرون بالقليل لكنهم يتمتعون بسلام داخلي واضح.
وحذرت واعظة الأوقاف جيهان ياسين من خطورة المقارنة المستمرة بين الأطفال وغيرهم، مؤكدة أنها من أكثر العوامل التي تسرق الرضا بصمت، حيث تُنشئ داخل الطفل شعورًا دائمًا بالدونية وتدفعه إلى سباق نفسي لا ينتهي. وأشارت إلى أن العبارات المتكررة مثل “انظر ماذا يملك غيرك” أو “لماذا لم تفعل مثل فلان” تُفقد الطفل القدرة على رؤية ذاته وتقدير ما لديه، ليصبح منشغلًا بالآخرين بدلًا من تطوير نفسه.
وقالت واعظة الأوقاف:إن توجيه الطفل إلى تقدير ما يمتلكه لا يعني إضعاف طموحه، بل يحمي توازنه النفسي ويمنحه أساسًا صحيًا للنمو. واستشهدت في هذا السياق بقوله تعالى:
“وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”،
موضحة أن الآية الكريمة لا تقتصر على النهي عن النظر إلى ممتلكات الآخرين، بل توجه القلب إلى عدم اتخاذ المقارنة بوابة دائمة للشعور بالنقص.
كما شددت واعظة الأوقاف على أهمية ترسيخ ثقافة الامتنان في نفوس الأبناء، من خلال تعليمهم معنى “الحمد لله” باعتبارها شعورًا حيًا ويقينًا داخليًا، لا مجرد لفظ يُردد، مستشهدة بقوله تعالى:
“لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ”، موضحة أن الامتنان ليس فقط سببًا للزيادة، بل هو بداية حقيقية لاتساع الصدر والرضا بما قسمه الله،ومؤكدة أن من الضروري أن يتعلم الطفل أن بعض الإخفاقات أو الخسائر لا تعني نهاية الطريق، بل قد تكون بداية لفرص أخرى لا يراها في حينها، وأن فقدان بعض الأشياء قد يكون إعادة ترتيب داخلية تعزز من نضجه النفسي.
وأكدت الدكتورة جيهان ياسين على أن أخطر ما قد يواجه الطفل ليس الحرمان في حد ذاته، بل اعتقاده بأن ما لا يملكه أهم مما يملكه بالفعل، داعية إلى بناء بيئة أسرية يشعر فيها الطفل بالاكتفاء والأمان النفسي، بما يعزز لديه قيمة الرضا في مختلف الأحوال.
ودعت واعظة الأوقاف قائلة :
“اللهم ازرع في قلوب أبنائنا رضا لا يتزعزع، وامنحهم أعينًا ترى نعمك قبل أن ترى ما ينقصها، واملأ أرواحهم طمأنينة، واجعل قلوبهم معلّقة بك، واجعلهم من الذين رضيت عنهم ورضوا عنك.”