روسيا المستفيد الأكبر.. كيف توظف موسكو توتر واشنطن وطهران لصالحها؟ |خاص
تعكس التحولات الجيوسياسية المتسارعة ملامح نظام جديد باتت فيه النزاعات عاملًا حاسمًا في إعادة توزيع مكاسب وخسائر الأسواق بعيدًا عن ميادين القتال المباشرة حيث تمتد تداعياتها لتمنح أطرافًا خارج الصراع فرصًا غير متوقعة لتعزيز مواقعها.
وتُظهر التطورات الأخيرة كيف يمكن لصراع إقليمي أن يتحول إلى مكسب اقتصادي لقوى دولية مثل روسيا عبر إعادة توجيه تدفقات الطاقة عالميًا وتخفيف الضغوط عن اقتصادات كانت تواجه تحديات حادة في وقت تتداخل فيه الحسابات السياسية مع ديناميكيات السوق بصورة غير مسبوقة.
من جانبه أكد الدكتور هاني سليمان، رئيس المركز العربي للبحوث والدراسات، أن روسيا تعد من أبرز المستفيدين من حالة التصعيد والصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مشيرًا إلى أن هذا التوتر ينعكس بشكل مباشر على إعادة تشكيل موازين القوى الدولية.
وأوضح "سليمان" في تصريحات خاصة أن الصين رغم تأثرها السلبي بسبب اضطراب سلاسل الإمداد واستمرار القيود على واردات النفط الإيراني نتيجة العقوبات الأمريكية إلا أن وضع روسيا مختلف، كونها لا تعتمد بشكل رئيسي على النفط الإيراني وتمتلك في المقابل احتياطيات كبيرة من النفط والغاز تمنحها مرونة اقتصادية أكبر.
وأضاف أن العلاقات الروسية الإيرانية تتجاوز ملف الطاقة، لتشمل أبعادًا عسكرية واقتصادية واستراتيجية، وهو ما يمنح موسكو هامش حركة أوسع في التعاطي مع الأزمة الحالية، سواء عبر الوساطة أو من خلال التوظيف السياسي للأزمة في ملفات أخرى.
الضغوط على روسيا في ملف أوكرانيا
وأشار رئيس المركز العربي للبحوث والدراسات إلى أن انشغال الولايات المتحدة في الصراع مع إيران يخفف من الضغوط على روسيا في ملف أوكرانيا ويمنحها مساحة أكبر للمناورة العسكرية والسياسية فضلًا عن تعزيز قدرتها على إدارة الحرب دون ضغوط غربية مباشرة مكثفة، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية يمثل مكسبًا اقتصاديًا مباشرًا لروسيا، حيث يدعم إيراداتها ويعزز قدرتها على تمويل عملياتها العسكرية وتخفيف الضغوط على اقتصادها الداخلي.
التباين الأوروبي–الأمريكي
وتابع "سليمان" أن الأزمة ساهمت في تعميق الخلافات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وهو ما ظهر في تباين المواقف بشأن التحركات في مضيق هرمز، وكذلك في اختلاف الرؤى داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو” بشأن إدارة الأزمات الدولية، موضحًا أن هذا التباين الأوروبي–الأمريكي يمنح روسيا فرصة لتعزيز نفوذها الدبلوماسي، سواء عبر طرح نفسها كوسيط في بعض الملفات أو عبر استثمار الانقسامات الغربية لصالحها في قضايا متعددة، من بينها الأزمة الأوكرانية.
وشدد على أن مجمل التطورات الحالية تشير إلى أن روسيا تتحرك بمرونة كبيرة في إدارة الأزمة، وتعمل على توظيف التوترات الدولية لتعزيز مصالحها العسكرية والاقتصادية والسياسية على المدى الطويل.
أبعاد سياسية
وفي سياق متصل، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد بدرة أن التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران يحمل أبعادًا سياسية في المقام الأول، لكنه ينعكس أيضًا بشكل واضح على المشهد الاقتصادي العالمي، خاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة.
وأوضح "بدرة" في تصريحات خاصة أن روسيا تعد من أبرز المستفيدين اقتصاديًا من هذه التوترات، في ظل الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط والغاز، وهو ما يدعم إيراداتها بشكل مباشر، مؤكدًا أن “تحرير أسعار الطاقة أو ارتفاعها يمنح موسكو فرصة لتعزيز عوائدها من صادرات البترول والغاز”.
وأضاف أن أحد أوجه الاستفادة الروسية يتمثل في تحول الاهتمام الدولي بعيدًا عن الحرب في أوكرانيا، مع تصاعد الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يخفف من حدة الضغوط السياسية والإعلامية المفروضة على موسكو خلال الفترة الماضية.
ملف تصدير النفط الروسي
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن ملف تصدير النفط الروسي لا يزال مرتبطًا بعدد من الترتيبات الدولية، من بينها السماح بتوريد النفط إلى بعض الدول مثل الهند، وهو ما ساهم في استمرار تدفق الصادرات رغم العقوبات الغربية.
ولفت "بدرة" إلى أن مستقبل استفادة روسيا من هذه الأزمة سيظل مرهونًا بقدرتها على الحفاظ على مستويات الإنتاج والتصدير، خاصة في ظل احتمالات تشديد القيود الأمريكية أو عدم تجديد بعض الاستثناءات المتعلقة بتصدير النفط.
وشدد على أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يمثل عامل دعم رئيسي للاقتصاد الروسي، لكنه في الوقت نفسه يظل مرتبطًا بتطورات المشهد الجيوسياسي، سواء من حيث مسار الأزمة مع إيران أو سياسات العقوبات الغربية، مؤكدًا أن روسيا تحقق مكاسب اقتصادية واضحة في المدى القصير من هذه التوترات، لكن استدامة هذه المكاسب ستعتمد على توازنات السوق العالمية واستمرار قدرتها على تصدير مواردها من الطاقة.