كنت في السابعة من عمري حين شاهدت علم مصر يرتفع عالياً في أقصي الحدود الشرقية في مدينة "رفح "بعد ان قبله الرئيس الراحل حسني مبارك ليرتفع علي الساري الضخم ، وهزت مشاعري أغنية العظيمة شادية احتفالاً بالتحرير "مصر اليوم في عيد "، أدركت مبكراً كطفلة تربت علي سيرة عمها الشهيد ان البطولة ليست لحظة عابرة في زمن الحرب، بل مسار ممتد تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل .
فمنذ أن نجحت مصر في تحرير سيناء واستردت أرضها في الخامس والعشرين من أبريل عام 1982، ونجاح مسار المفاوضات التي اعقبت نصر اكتوبر 1973 بعد سنوات من الاحتلال الذي بدأ في حرب يونيو 1967، ظل معنى التضحية حاضرًا في وجدان الوطن، لا ينتهي بانتهاء معركة، ولا يتوقف عند استعادة الأرض.
جاء تحرير سيناء تتويجًا للنصر، ثم لجهد سياسي ودبلوماسي طويل توج بتنفيذ معاهدة السلام عام 1979، قبل أن تستكمل السيادة المصرية كاملة باسترداد طابا عبر التحكيم الدولي في مارس 1989، لتؤكد الدولة قدرتها على حماية حقوقها بكل الأدوات.
لكن هذه النهاية لم تكن إلا بداية لحكاية أخرى، حكاية أبطال من كل بيت مصري لم يغادروا مواقعهم، بل واصلوا أداء واجبهم في حماية الحدود وصون مقدرات الدولة، حاملين نفس الروح التي عبر بها جنود أكتوبر القناة.
ضباط، وضباط صف، وجنود، لكل منهم قصة قد لا تروى في كتب التاريخ، لكنها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية لهذا الوطن، وفي كل لحظة استقرار يعيشها أبناؤه.
وفي هذا السياق، أعلنت القوات المسلحة عن اطلاق سلسلة «حكاية بطل» التي كشف عنها العميد اركان حرب غريب عبد الحافظ المتحدث العسكري للقوات المسلحة، لتعيد تقديم هذه المسيرة في صورة إنسانية موثقة، وبأحدث أدوات الانتاج الفني الذي يستعيد توثيق حياة الابطال باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي عبر ثلاثين فيلمًا تعرض بدءًا من 25 أبريل 2026، تزامنًا مع ذكرى تحرير سيناء، وحتى 30 يونيو 2026، في امتداد زمني مقصود يربط بين محطتين مفصليتين في تاريخ الدولة المصرية.
لا تكتفي السلسلة بسرد الوقائع، بل تقترب من الإنسان داخل الزي العسكري، من اختياراته الصعبة، ومن لحظات الحسم التي صنعت بطولته، لتؤكد أن ما بين هذين التاريخين لم يكن فراغًا، بل سلسلة متصلة من التضحيات والفداء لوطن من أجل حفظ حياة أهله وحدوده وصون مقدراته .
فالوطن الذي استعيدت أرضه بتضحيات جسام، احتاج أيضًا إلى من يحميه من تحديات داخلية تهدد استقراره وهويته ومن تدخلات دولية حاولت اقتطاع بوابته الشرقية أرض الفيروز . وهنا تجددت المعادلة التي صنعت النصر من قبل: شعب يدرك قيمة دولته، وقوات مسلحة وطنية تحمل على عاتقها مسؤولية حمايتها، في مشهد أعاد التأكيد على أن الحفاظ على الأوطان لا يقل أهمية عن تحريرها.
بهذا المعنى، تصبح «حكاية بطل» أكثر من مجرد سلسلة أفلام؛ إنها إعادة وصل لما قد يبدو متباعدًا في الزمن، وإثبات أن خيط التضحية لم ينقطع منذ تحرير سيناء وحتى 30 يونيو.
هي شهادة على أن الأبطال لا يصنعون في لحظة واحدة، بل في مسار طويل من الإيمان والالتزام، وأن الوطن الذي دفع ثمن بقائه من دماء أبنائه، يظل حيًا بذكراهم، ومستمرًا بروحهم التي لا تغيب.