تظل شبه جزيرة سيناء في الوجدان المصري أكثر من مجرد رقعة جغرافية؛ فهي شريان الأمان القومي، ورمز الصمود، وشاهد على قدرة الإرادة المصرية على تحويل الهزائم إلى انتصارات، والأوجاع إلى أمجاد، واليوم، ونحن نستحضر ذكرى تحرير سيناء، لا ننظر إلى الماضي بمقدار ما نستشرف المستقبل، فالقصة لم تنتهِ بانسحاب آخر جندي إسرائيلي في عام ١٩٨٢، بل بدأت فصلا جديدا من الكفاح المتواصل ضد التحديات، وصولا إلى معركة التنمية الشاملة التي نعيشها اليوم.
لقد بدأت الملحمة بدماء الشهداء وبطولات الميدان، في أكتوبر ١٩٧٣، عبر الجندي المصري القناة، محطما وهما دام ست سنوات، ليعيد الكرامة العربية ويثبت أن الأرض لا تنال بالتمني، بل بالعرق والدم والعلم، فكانت تلك اللحظات الفارقة درسا في التوازن بين القوة العسكرية والإيمان بالقضية، حيث ضحى الأبناء من أجل أن تبقى الأرض عربية، وأن يظل العلم المصري يرفرف فوق كل شبر من التراب الوطني، الحرب لم تكن مجرد معركة حدود، بل كانت حرب وجود وهوية، سطرت فيها القوات المسلحة أعظم فصول التضحية، لتعود سيناء إلى أحضان الوطن بعد سنوات من الاحتلال والمقاومة الصامتة التي لم تنكسر.
لكن التحرير العسكري لم يكتمل دون البراعة الدبلوماسية والمفاوضات الشاقة ، أدركت القيادة السياسية أن السلام ليس تنازلا، بل هو انتصار آخر يبنى على القوة الواقعية والحكمة الاستراتيجية، مفاوضات كامب ديفيد، والاتفاقية الموقعة عام ١٩٧٩، كانتا اختبارا عسيرا للدبلوماسية المصرية، التي نجحت في تحويل المكاسب الميدانية إلى حقائق قانونية ودولية، مع الحفاظ على السيادة الكاملة والأمن القومي، كانت البراعة تكمن في الموازنة الدقيقة بين الثوابت الوطنية والمرونة التفاوضية، مما مكن مصر من استعادة سيناء كاملة دون إضعاف لمكانتها الإقليمية، بل وتعزيزها كصانعة سلام في المنطقة، و أثبتت مصر أن الحوار لا يتعارض مع الكرامة، وأن السلام الحقيقي يبنى على القوة والوضوح لا على الخضوع أو التنازل عن الحقوق.
غير أن التاريخ لم يترك سيناء في سلام دائم دون تحديات جديدة، فبعد عودتها، واجهت شبه الجزيرة موجات من الإرهاب والعنف الذي استهدف أمن الوطن واستقراره، مستغلا الفراغ الأمني في فترات الاضطراب الإقليمي، هنا جاءت المرحلة الثالثة من الملحمة: القضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه، منذ عام ٢٠١٣، اتخذت الدولة المصرية قرارا حاسما بإطلاق عمليات عسكرية شاملة ودقيقة، لم تقتصر على المواجهة الميدانية فحسب، بل شملت تفكيك الشبكات المالية، وقطع طرق التهريب، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية المحلية، كانت هذه المعركة اختبارا للإصرار الوطني، حيث سقط شهداء جدد يحمون أرضا استعادها آباؤهم بالأمس، أثبتت القوات المسلحة وأجهزة الأمن أن الإرهاب لا يهزم بالحرب وحدها، بل بالحرب الشاملة التي تجمع بين القوة الصلبة والذكاء الأمني والعمل المجتمعي، مما أعاد الأمان لسكان سيناء وفتح الطريق لمرحلة جديدة.
واليوم، ندخل الفصل الرابع والأهم: معركة التنمية الشاملة، فالتحرير الحقيقي لا يتحقق بانسحاب المحتل أو زوال الإرهاب فحسب، بل بتعمير الأرض وإسعاد الإنسان، لقد أدركت القيادة المصرية أن أمن سيناء الدائم يرتبط برفاهية أهلها، وأن التنمية هي الضمان الوحيد ضد أي عودة للفراغ أو التطرف لذا، تتسابق الدولة اليوم في تنفيذ مشاريع عملاقة تشمل الطرق السريعة، والموانئ البحرية، والمناطق الصناعية، والزراعة المستدامة، والسياحة البيئية والثقافية، بالإضافة إلى مشاريع الإسكان الاجتماعي والخدمات الصحية والتعليمية المتطورة، و هذه ليست مشاريع بنية تحتية فحسب، بل هي مشاريع هوية وانتماء، تهدف إلى دمج سيناء في النسيج الاقتصادي القومي، وجعلها قاطرة تنمية للعالم العربي.
إن تحويل سيناء إلى منطقة اقتصادية وسياحية زراعية متكاملة هو الضمانة الأمنية الحقيقية، فالبطالة والفقر هما تربة الخصبة للتطرف، بينما العمل والكرامة هما درع الواقي، وما تحقق في سيناء حتى الآن هو نتيجة تكامل استراتيجي نادر: جيش يحمي، ودبلوماسية تفاوض، وأمن يحارب الإرهاب، ودولة تبني وتنمي، لكن الطريق لا يزال طويلا، والمعركة مستمرة على جبهات متعددة، كما يجب أن نذكر أن تنمية سيناء ليست مشروعا حكوميا فحسب، بل هي مسؤولية وطنية تجمع القطاع الخاص والمجتمع المدني والجامعات والمواطنين.
ختاما، إن تحرير سيناء لم يكن حدثا في الماضي، بل هو عملية مستمرة تتجدد كل يوم بالعرق والفكر والاستثمار، لقد بدأنا بالبطولات في الميدان، ومررنا بالبراعة في المفاوضات، وحاربنا الإرهاب بكل عزم، والآن نخوض معركة التنمية الشاملة التي ستحدد مصير الأجيال القادمة.
إن سيناء هي وعد المستقبل، ومفتاح الأمن القومي، وجسر التواصل مع العالم فلتكن ذكراها حافزا لنا جميعًا لنكمل المسيرة، و لنعمل يدا بيد من أجل سيناء آمنة، مزدهرة، ومنتمية إلى قلب مصر النابض، و أن يظل علم مصر خفاقا على كل ربوعها، شاهدا على إرادة شعب لا يعرف المستحيل.