عاجل

أصبح زمامُ الأمر في يد اللواء حسين الذي بادر إلى إبلاغ اللواء عمر في منزله بالتجمع بأنني قد أتممت المهمة ؛ غير أنّ الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن؛ إذ ردّ عليّ برفضٍ قاطع مؤكدًا أنّه ليس ممن يهبطون إلى مستوى «حزبٍ كرتوني».

ثم سألني اللواء حسين كمال إن كنت قد ألغيتُ موعد الوزير فاروق حسني المقرر في العاشرة صباح اليوم التالي فأجبته بأنني نسيتُ إبلاغه بإلغاء الموعد ؛ عندها اقترحتُ أن نبقي على اللقاء على أن أُطلع الوزير فاروق على ما جرى من رفض اللواء عمر للترشح لعلّه ينجح في ثنيه عن قراره.

اقتنع اللواء حسين بالفكرة إذ كان—مثلي—حريصًا على دفع اللواء عمر إلى خوض السباق بأي وسيلة خشيةَ أن تؤول الكفة إلى الإخوان المسلمون.

وفي تمام الثامنة صباحًا كنتُ على مائدة الإفطار في منزل الوزير فاروق حسني وبرفقتنا محمد حسين سكرتيره الخاص وما إن استمع إلى تفاصيل ما جرى في الليلة السابقة حتى غرق في تفكيرٍ عميق ثم قال بحزم: [ سيبولي  الموضوع ده انا هتصرف ]

اتجهنا من الزمالك إلى مصر الجديدة،• ووصلنا في الموعد المحدد.حيث كان اللواء عمر في استقبالنا جالسًا خلف مكتبه بهيبته المعهودة رحمه الله ؛ وما إن فتح الوزير فاروق الموضوع حتى اندفع رافضًا دون إبداء أسباب واضحة.

تابعتُ الحوار بينهما باهتمامٍ بالغ وشاركني فيه اللواء حسين إلى أن قال الوزير فاروق بنبرةٍ حاسمة:
«لو قفلولك لك الباب فادخل عليهم من الشباك يا سيادة اللواء».
فأجابه اللواء عمر: «وإن كانوا قفلوا الشباك كمان ؟!»
ابتسم الوزير بثقةٍ وإصرار وقال: «تنزلهم من المواسير».

بدأ التردد يتلاشى من ملامحه لكنه تمتم: «لكنّ ده حزبٌ كرتوني يا فاروق ».
فقاطعه الوزير سريعًا: «وهنا تكمن المواسير».

انطلقت الضحكات في أرجاء الغرفة ثم أعقبها صمتٌ ثقيل والأنظار كلها شاخصة نحوه ؛ سرح قليلًا في أفكاره ثم التفت إلى مدير مكتبه قائلًا:
— «إذًا، لازم أتواصل مع المشير وأبلغه».

تنفّسنا جميعًا الصعداء وأخذنا نتابعه وهو يرفع هاتفه المحمول ليجري الاتصال بالمشير طنطاوي رحمه الله وبدأت المكالمة بعبارةٍ مقتضبة: «صباح الخير يا حسين». ثم خفَض صوته، فلم نعد نسمع إلا شذراتٍ متقطعة بدا منها أنه يعرض الخطة وفجأة تغيّر وجهه وعقد جبينه وأخذ يردّد: «آه… آه… آه… آه…». ثم ختم المكالمة بقوله: «ماشي … شكرًا يا حسين».

تبادلنا النظرات في ترقبٍ ثقيل قبل أن يقطع الصمت قائلاً:
— «المشير رفض… هو شايف أنه مايصحش أني أترشح من خلال أي حزب وشايف أن ده لو حصل هيولع البلد ».

عندها خيّم الإحباط على الأجواء، وانسحب اللواء عمر من السباق الرئاسي، انسحابًا لا رجعة فيه ..

تم نسخ الرابط