السيدة آمنة بنت وهب .. لحظات الرحيل وبدايات البشارة النبوية
تصور الروايات مشاهد ذات طابع رمزي رافقت ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث تذكر أن الآفاق أشرقت، وأن الأرض أضاءت بنور هذا الحدث، في تعبيرٍ بلاغي يعكس مكانته في الوجدان الديني والتاريخي.
وتفيد هذه الروايات بأن أثر ذلك النور امتدّ معنويًا في حياة الناس، إذ استلهموا منه معاني الهداية، وسلكوا به سبل الرشاد، في تصويرٍ يعكس مركزية الرسالة التي سيحملها لاحقًا.
وتنقل كتب السيرة مشهد وفاة السيدة آمنة بنت وهب، أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث تُروى لحظاتها الأخيرة مع ابنها، وهو في سنٍّ صغيرة. فقد نظرت إليه، واستحضرت معاني الإيمان والتوحيد، وقالت: «أنا ميتة وذكري باقٍ، فقد تركت خيرًا وولدت طهرًا»، في صيغة تعبّر عن يقينها بمستقبل ابنها ومكانته.
كما تذكر الروايات أنها تحدّثت عمّا رأته من دلائل وبشارات، مشيرةً إلى نورٍ يمتدّ أثره حتى الآفاق، وهو تصويرٌ رمزيّ يُفهم في سياق انتشار الرسالة. وقد عبّرت عن إيمانها بأن ابنها سيكون مبعوثًا إلى الناس كافة، وأنه في حفظ الله ورعايته.
وتورد بعض المصادر، ومنها ما نُقل عن طريق الزهري، خبر حضور عددٍ من الشهود وفاة آمنة، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غلامًا في نحو الخامسة من عمره. وتذكر الرواية أنها أنشدت أبياتًا تُعبّر عن رؤيتها، جاء فيها:
«بارك فيك الله من غلام
يا ابن الذي من حومة الحمام
نجا بعون الملك المنعام
فودي غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام
إن صح ما أبصرت في المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام
من عند ذي الجلال والإكرام»
ثم قالت مؤكدة معنى الفناء وبقاء الأثر: «كل حي ميت، وكل جديد بالٍ، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة وذكري باقٍ، وقد تركت خيرًا وولدت طهرًا»، قبل أن تفارق الحياة.
كما تُنسب في بعض الروايات أبيات رثاء قيلت فيها، جاء منها:
«نبكي الفتاة البرة الأمينة
ذات الجمال والعفة الرزينة
زوجة عبد الله والقرينة
أم نبي الله ذي السكينة
وصاحب المنبر بالمدينة
صارت لدى حفرتها رهينة»
وبذلك تختتم سيرة آمنة بنت وهب في هذه المرحلة بحدثٍ يجمع بين البعد الإنساني والرمزي، إذ تركت خلفها أثرًا ارتبط بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، التي ستشكّل لاحقًا محورًا أساسيًا في التاريخ الديني والحضاري.