الحمد لله الذي جعل الزواج ميثاقًا غليظًا، يقوم على المودة والرحمة بما يحقق الهدوء والسكينه لكل افراد الاسرة كبارا وصغارا هذا هو مراد الاسلام من الزواج ليس كما كثير من الناس.
فكثير منهم يفهمون أن معيار الزواج في الإسلام هو مجرد البلوغ الجسدي، فبهذا يتحقق شرط الزواج المزعوم .. وهذا فهم قاصر لا يعكس حقيقة المنهج القرآني.
فالإسلام لم يجعل القدرة الجسدية وحدها كافية لإتمام الزواج، بل اشترط الرشد العقلي اولا والقدرة على تحمل المسؤولية. ومن أبلغ الأدلة على ذلك قول الله تعالى:
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
فالآية الكريمة تربط بين بلوغ النكاح للصبي عند بلوغه .. وبين ظهور علامات الرشد عليه، فلم تكتفِ بمجرد البلوغ، بل اشترطت "إيناس الرشد.!!"، أي التحقق من حسن التصرف والعقل الراجح. فإذا كان تسليم المال - وهو أمر دنيوي - مشروطًا بالرشد، فمن باب أولى أن يكون الزواج، وهو ميثاق ومسؤولية وبناء أسرة، مشروطًا بتمام العقل وحسن التدبير. وهذا يدل دلالة واضحة على أن الزواج في الإسلام ليس مجرد قدرة جسدية، بل هو أهلية متكاملة قوامها العقل والنضج.
ومن هنا نفهم أن الغاية الأساسية من الزواج ليست مجرد الإنجاب أو تكثير العدد، وإنما تحقيق السكينة النفسية والاستقرار الأسري، كما قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
فالسكينة هي الأساس، والمودة والرحمة هي الروح التي تقوم عليها الأسرة، وليس الهدف مجرد كثرة الأولاد دون تربية أو رعاية.
وقد يستشهد بعض الناس بحديث النبي ﷺ:
«تناكحوا تناسلوا تكاثروا»
ثم يقفون عند هذا الحد، دون استكمال المعنى، فيُفهم الحديث فهمًا قاصرًا. والحديث في تمامه:
«فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة».
وهنا يجب أن يُفهم الحديث في ضوء مقاصد الشريعة؛ فمباهات النبي ﷺ ليست بمجرد الأعداد، وإنما بأمة صالحة نافعة، تشرفه ﷺ يوم القيامة. أما أن يتزوج احدهم دون ادراك ودراية لمعنى كلمه الزواج وتاسيس الاسرة فينجب أولادا باعداد كبيرة بحيث يستحيل أن يجد لهم الوقت و الجهد والمال لتربيتهم تربيه سليمة .. فيخرج لنا في مجتمعنا أولادا تُركوا بلا نفقة ولا تربية ولا رعاية، فتمتلئ الطرقات باطفال الشوارع ممن نجدهم يتكففون الناس، أو نجد من ينحرف إلى الإلحاد أو المخدرات سواء لكثرة ماله ما عدم وجود اهتمام او تربية له او لعدم وجود مال ينفق عليه اصلا فينجرف مع اصدقاء السوء الى الهاويه، .. وهنا يظهر السؤال فهل يتصور عاقل أن تكون هذه هي المباهات التي تكلم عنها الحديث؟! .. لا والله لا يكون أبدا حاش لله..!!
إن التقصير في التربية والرعاية يهدم مقصد التكاثر، ولا يحقّق مراد الشريعة.
ومن المهم أن نُذكّر بحقيقة يغفل عنها كثير من الناس، وهي أن كما أن للآباء حقوقًا على الأبناء، فإن للأبناء حقوقًا ثابتة على الآباء، لا تسقط أبدًا. ويمكن تلخيص هذه الحقوق في خمس كلمات جامعة: غذاء، كساء، دواء، إيواء، إقراء.
فالطفل له حق في النفقة والرعاية والاهتمام النفسي، وهذا الحق لا يسقط مهما كانت الظروف.
حتى في حال الخلاف بين الزوجين، أو وقوع الطلاق، أو تقصير الأم أو وقوعها في ذنب عظيم كمنع الأب من رؤية أبنائه، فإن ذلك لا يُسقط عن الأب مسؤوليته. نعم، منع الأب من أولاده جريمة عظيمة تُحاسب عليها الأم يوم القيامة، لكن في المقابل لا يُعذر الأب في ترك النفقة أو الإهمال، لأن هذا الطفل لا ذنب له، وليس له في الدنيا من ينفق عليه إلا أبوه، فإن غاب فجدّه، فإن غاب فعمه، حتى يبلغ سن العمل القانوني إن كان ذكرًا. أما الأنثى فهي في رعاية محارمها من الرجال على ترتيب القرابة حتي تتزوج مهما كان عمرها فيصبح زواجها هو المسؤول الأول عن نفقتها.
عزيزي القارئ .. الأسرة في الإسلام ليست علاقة مؤقتة، بل منظومة مسؤوليات متكاملة، قائمة على العدل والرحمة.
وفي ختام هذا المعنى، نتذكر عظيم المعاني التي تلخص كل ما سبق عن استقرار الاسره كبارا وصغارا من قول الله تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
صدق الله العظيم.