عاجل

الهدنة تتجدد بين إيران والولايات المتحدة.. تسوية قريبة أم تأجيل الحرب؟|خاص

علم إيران والولايات
علم إيران والولايات المتحدة

أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتمديد الهدنة مع إيران دون تحديد موعد لانتهائها حالة من الجدل حول ما إذا كانت هذه الخطوة تمهد لفرصة تفاوضية قد تنتهي باتفاق بين البلدين المتحاربين لمدة 40 يومًا، أم أنها مجرد تأجيل لجولة جديدة من الحرب.

في البداية أكد الدكتور محمد فوزي، الباحث في الشؤون الإقليمية، أن أبعاد القرار المتعلق بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تمديد وقف إطلاق النار مع إيران  تعكس مجموعة من الاعتبارات السياسية والاستراتيجية المعقدة داخل الولايات المتحدة وخارجها، موضحًا أن هذا القرار لا يمكن فصله عن السياق الداخلي الأمريكي المتصاعد بشأن رفض الانخراط في حروب جديدة تخدم بالأساس أهدافًا إسرائيلية.

أبعاد تمديد الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران

وأوضح فوزي في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن هذا الرفض لم يعد مقتصرًا على الرأي العام الأمريكي، بل امتد ليشمل داخل الحزب الجمهوري نفسه حيث بدأت تظهر اعتراضات وانتقادات متزايدة تجاه استمرار العمليات العسكرية خاصة في ظل ما يراه البعض استنزافًا مباشرًا لقدرات الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية وإطالة أمد حرب لا تحقق مكاسب واضحة.

وأضاف أن العامل الثاني المهم في تفسير هذا القرار يتمثل في اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة وضحًا أن استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع نسبي في شعبية ترامب وهو ما يثير قلقًا داخل الحزب الجمهوري بشأن فرصه في الانتخابات المقبلة المقررة في نوفمبر من العام الجاري الأمر الذي يدفع الإدارة الأمريكية إلى محاولة تقليل الانخراط في ملفات خارجية شائكة.

التعقيدات المتزايدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار

وتابع الباحث في الشؤون الإقليمية، أن السبب الثالث يرتبط بالتعقيدات المتزايدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار إلى جانب التحديات الكبيرة المرتبطة بإمكانية العودة إلى الحرب مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية باتت تدرك صعوبة تحقيق أهدافها الاستراتيجية من خلال العمل العسكري المباشر، وأن الضغوط العسكرية وحدها لم تعد كافية لتغيير الواقع الميداني أو السياسي بالشكل المطلوب.

وأوضح أن الولايات المتحدة تجد نفسها في وضع أقرب إلى حرب استنزاف طويلة دون قدرة حقيقية على تحقيق نتائج حاسمة أو فرض تغييرات استراتيجية جوهرية، وهو ما يعزز من توجهها نحو التهدئة المؤقتة أو تمديد وقف إطلاق النار.

وشدد فوزي أن إعلان ترامب عن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار يعكس هذا الاتجاه إلا أن الإشكالية الأعمق تتمثل في أن ما يجري حتى الآن لا يتجاوز كونه اتفاقًا إطاريًا يقوم على وقف إطلاق النار مع فتح المجال للتفاوض حول تفاصيل القضايا العالقة، مشيرًا إلى أنه لا يوجد حتى الآن توافق نهائي حول القضايا الجوهرية، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية، والأدوار الإقليمية لإيران بالإضافة إلى ملف التعويضات الذي تطرحه طهران معتبرًا أن هذه الملفات تمثل نقاط خلاف رئيسية تعيق الوصول إلى تسوية شاملة.

السيناريو الأقرب للحرب الأمريكية الإيرانية

ولفت إلي أن هذه التحديات تجعل من اتفاق وقف إطلاق النار الحالي هشًا وقابلًا للتعثر في أي لحظة إلا أنه في المقابل أشار إلى وجود تحديات موازية تعوق أيضًا خيار العودة إلى الحرب وهو ما يجعل المشهد معقدًا وغير محسوم، مشيرًا إلى أن السيناريو الأقرب في تقديره هو نجاح الوسطاء في التوصل إلى صيغة وسط بين المطالب الأمريكية والمطالب الإيرانية بما يفضي في النهاية إلى إنهاء حالة الصراع أو تجميده على الأقل انطلاقًا من قناعة إقليمية ودولية بأن استمرار أو عودة الحرب سيكلف جميع الأطراف في المنطقة خسائر كبيرة على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.

من جانبه أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن تجدد الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران يعكس نمطا متكررا من إدارة الصراع قائما على التهدئة المرحلية دون الوصول إلى حلول جذرية، مشيرًا إلى أن هذه الهدنة تأتي في إطار حسابات دقيقة لكل طرف يسعى من خلالها إلى تجنب كلفة المواجهة المباشرة، وفي الوقت ذاته الحفاظ على أوراق الضغط الاستراتيجية.

إدارة مؤقتة للأزمة

وأوضح فرحات في تصريحات خاصة لنيوز رووم أن هذا التطور لا يمكن قراءته باعتباره خطوة حاسمة نحو تسوية شاملة، بقدر ما يعبر عن رغبة متبادلة في كسب الوقت وإعادة ترتيب الأولويات في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد وتشابك المصالح الدولية في منطقة الشرق الأوسط، مضيفًا أن ما نشهده حاليا هو أقرب إلى إدارة مؤقتة للأزمة وليس حلا نهائيًا لها، حيث تفضل كل من واشنطن وطهران إبقاء قنوات التواصل قائمة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود السيطرة، خاصة في ظل وجود ملفات شائكة مثل البرنامج النووي الإيراني، وأمن الطاقة والممرات البحرية.

فضلا عن أدوار إيران الإقليمية في عدد من ساحات التوتر وأن الولايات المتحدة تعتمد على مزيج من الضغوط الاقتصادية والتحركات الدبلوماسية لاحتواء الموقف، بينما تسعى إيران إلى توظيف هذه الهدنة لتعزيز موقفها التفاوضي وتحقيق أكبر قدر من المكاسب دون تقديم تنازلات جوهرية.

آليات الرقابة على البرنامج النووي 

 وأضاف أن الحديث عن قرب التوصل إلى تسوية شاملة لا يزال مبالغًا فيه، نظرا لاستمرار فجوات الخلاف الأساسية بين الطرفين، وعلى رأسها آليات الرقابة على البرنامج النووي وحدود النفوذ الإقليمي، فضلا عن غياب الثقة المتراكمة نتيجة سنوات من التصعيد المتبادل وكل هذه العوامل تجعل من أي اتفاق محتمل عرضة للهشاشة، ما لم يتم التوصل إلى صيغة توازن تضمن مصالح الطرفين بشكل واضح ومستدام. 

ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن سيناريو الحرب لا يزال مستبعدًا في المدى القريب، ليس فقط بسبب تكلفته المرتفعة على الطرفين، ولكن أيضا لما قد يترتب عليه من تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن المرحلة الراهنة ستظل محكومة بسياسة “الاحتواء المتبادل” وإدارة التوتر، إلى أن تتوافر إرادة سياسية حقيقية تدفع نحو انتقال فعلي من منطق الصراع إلى منطق التسويات الشاملة.

وفي سياق متصل أكد الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجديد التهدئة دون التوصل إلى اتفاق نهائي يحمل في طياته دلالات مهمة، ويشير إلى احتمالين رئيسيين في تفسير هذا التحرك.

كسب مزيد من الوقت لوصول التعزيزات

وأوضح الرقب في تصريحات خاصة أن الاحتمال الأول يتمثل في رغبة الإدارة الأمريكية في كسب مزيد من الوقت إلى حين اكتمال وصول تعزيزات عسكرية إضافية، مشيرًا إلى ما يتم تداوله بشأن اقتراب حاملة الطائرات “فورد” من الوصول إلى منطقة البحر الأحمر خلال أقل من ثمانية وأربعين ساعة وهو ما قد يعكس حاجة واشنطن إلى تعزيز قوة الردع خلال المرحلة المقبلة.

وأضاف أن الاحتمال الثاني يتمثل في إتاحة مساحة إضافية أمام جهود الوساطة الدولية، وعلى رأسها الوسيط الباكستاني، للتحرك في محاولة للتوصل إلى تفاهمات، لافتًا إلى أن الساعات الأخيرة شهدت حراكًا أوروبيًا وآسيويًا مكثفًا بهدف الدفع نحو اتفاق لوقف التصعيد، وهو ما قد يمنح الوسطاء هامشًا أوسع للتحرك.

وأشار الرقب إلى احتمال ثالث يتمثل في أن الإدارة الأمريكية قد تكون بصدد التحضير لمرحلة تصعيدية جديدة، عبر تعزيز انتشار قواتها تمهيدًا لتوجيه ضربة أكبر، في ظل عدم تحقق الأهداف التي أعلنت عنها واشنطن منذ بداية هذا المسار.

وشدد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس تمديد التهدئة من قبل ترامب يعكس رؤية سياسية وعسكرية معقدة، مرجحًا أن الهدف الأساسي في هذه المرحلة هو كسب الوقت، سواء لاستكمال التحشيد العسكري أو لمنح فرصة محدودة للوسطاء، مع إبقاء جميع السيناريوهات مفتوحة، في ظل استمرار حالة التوتر وعدم الوصول إلى تسوية نهائية حتى الآن.

تم نسخ الرابط