بعد تمديد وقف إطلاق النار وأعتقد انه بداية لإنتهاء الحرب ومع إقتراب إيران من عقد صفقة مع أمريكا يأتي السؤال المهم من المنتصر في هذة الحرب ، حقيقة فى هذا النوع من الحروب لا يُعرف بهذه السرعة مَنْ المنتصر ومَنْ المهزوم، فغالبًا نتائج هذه الحروب لا تكون وقتية ولكن تحتاج لبعض الوقت لتظهر نتائجها، خاصة وهذه الحرب قد تكون لها أهداف قصيرة المدى وأخرى طويلة المدى، فغالبًا أمريكا وإسرائيل لا تسعى إلى تحقيق نصر تقليدى فى هذه الخرب بقدر ما تهدف إلى إضعاف النظام الإيرانى حتى نهايته. لهذا، فإن تقييم المنتصر والمهزوم لا يُقاس بعدد الضحايا أو الضربات، بل بالقدرة على فرض الواقع الجديد.
فايران إن لم تُقدِّم التنازلات المطلوبة منها للولايات المتحدة وإسرائيل، فستتعرّض لضربات متواصلة ستقودها للانهيار التام بشكل تفقدها حتى القدرة حتى على التفاوض ، من يعتقد أن إيران ما زالت قوية وقادرة على العودة إلى الحرب بسهولة فهو مخطئ، فهي اليوم تستنزف ما تبقّى لديها من أوراق في مسار المفاوضات.وما أخطأت به حماس خلال العامين الماضيين، يتكرر اليوم في الحالة الإيرانية.كما أن امريكا حولت الحرب من حرب عسكرية الي حرب إقتصاديه تستنزف فيها إيران إقتصاديا عبر محاصرة موانئ إيران فهي كما يقول ترامب تخسر 500 مليون دولار يوميا .
تصريحات نتنياهو والقيادة الإسرائيلية، التى توحى بالنصر بالإضافة إلى الرضا الشعبى داخل إسرائيل، قد تعبّر عن قناعة بأن هذه الحرب حققت أهدافها الأساسية، وهى بالنسبة لإسرائيل ضرب العمق الإيرانى، وتحديدًا تفكيك القدرات النووية الإيرانية وتقليص تأثيرها الإقليمى وانهيار المشروع النووى الإيرانى إن لم يكن تدميره فتعطيله لسنوات عديدة.
إيران، حسب التقدير الواقعى، لم تكن مستعدة لحرب طويلة، فقد بدأت بالتراجع ومحاولة إنهاء المعركة بسرعة بعدما شعرت بأن الأمور بدأت تخرج عن سيطرتها. خاصة أن المفاعلات النووية التى استثمرت فيها إيران مليارات الدولارات على مدى أكثر من ثلاثة عقود تم تحييدها فى عشرة أيام فقط، وهو انهيار استراتيجى كبير، فضلًا عن مقتل المرشد الأعلي علي خامنئي وأبرز قادتها العسكريين وعلمائها النوويين فى عملية واحدة، ناهيك عن مدى الاختراق الإسرائيلى داخل العمق الإيرانى، حتى إنه لما ضُرب أحد مقرات الموساد الإسرائيلى تندّر أحد الإسرائيليين وقال: لا تقلق المبنى فارغ فكلنا داخل إيران.
أعتقد أن أمريكا وإسرائيل تتخذ هذه الحرب على عدة مراحل، فالمرحلة الأولى كانت قصف المفاعلات النووية واغتيال العلماء النوويين والقادة العسكريين، وقد انتهت من هذه المرحلة ولن تتوقف عندها ولكن ستتعداها إلى المرحلة التالية أو المقبلة، والتى شهدت اختراقًا أعمق للجبهة الداخلية الإيرانية من خلال أجهزة الاستخبارات والعمل النفسى، واغتيال المرشد الاعلي والصف الأول والثاني من القيادة الإيرانية وتدمير السلاح البحري والجوي والدفاعات الجويه ومصافي البترول ومحطات الكهرباء وعمل اضطرابات داخل إيران وزعزعة الاستقرار فى محاولة للانقلاب على النظام من الداخل وتغيير نظام الملالى .
وقد يتحول النظام الإيرانى إلى كيان يعيش فى خوف دائم من الانقلاب عليه والانهيار من الداخل، وسيدخل فى نزيف أمنى واستخباراتى مستمر، فضلًا عن أن الحصار الاقتصادى والبحري علي الموانئ الإيرانية على إيران سيتصاعد بغض النظر عن فتح أو غلق مضيق هرمز ، وسيتم ذلك من خلال إخضاعها اقتصاديًا من طرف أمريكا، والاستفادة من نفطها وثرواتها الطبيعية ومن المعابر البحرية التى تمتلكها لمصلحة أمريكا وإسرائيل، أما عن قوة إيران الإقليمية العسكرية فأعتقد أنها قد ضعفت بعد هذه الضربة.
أما بالنسبه لإيران، فهى تعتقد أن أهم انتصار لها أنها حافظت على برنامجها النووى من الانهيار الكامل، حتى وإن كان تم تعطيله لسنوات، لكنها ترى أنها قادرة على استرجاعه مرة أخرى وإعادة تفعيله، وترى، أيضًا، أن الهدف من حرب إسرائيل الجوهرى، وهو القضاء على البرنامج النووى الإيرانى وسقوط النظام، لم يتحقق، وبالتالى خسرت أمريكا وإسرائيل الحرب.
فضلًا عن أن إيران كسرت هيبة الردع الاستراتيجى لإسرائيل وقوة الجيش الإسرائيلى والدعاية الزائفة حول قوة أنظمة دفاعه والقبة الحديدية، حيث استطاعت إيران لأول مرة فى تاريخ إسرائيل ضربها فى الداخل، بل فى عمق تل أبيب، وهو ما كسر هيبة إسرائيل كدولة وأعطى انطباعًا، خاصة «للأنظمة العربية»، بأنه يمكن هزيمة إسرائيل وأن الأمر ليس بهذه الصعوبة، فهذه هى المرة الأولى التى نرى فيها الصواريخ تدك تل أبيب وحيفا وبئر السبع، وهى أماكن فى العمق الإسرائيلى .
لطالما حاولت إسرائيل خلال حروبها السابقة أن تكون الحرب خارج إسرائيل وليس داخلها، فهذه هى المرة الأولى التى نرى الحرب داخل العمق الإسرائيلى وتنتج عنها خسائر بشرية، ونرى الشعب الإسرائيلى يعيش حياته فى الملاجئ، ونرى أبنية داخل تل أبيب مدمرة كما لو أنها فى غزة، وهذا كسر هيبة الردع الاستراتيجى لإسرائيل وجعلها لا تستطيع الاستمرار فى الحرب، لأن التكلفه المادية والعسكرية والبشرية ستكون باهظة الثمن مما لا تستطيع إسرائيل تحمله.
أما عن موقف العرب، فى الحقيقة لا يمكن القول إن العرب السنّة يؤيدون إيران، فالغالبية منهم لا يتقبلون الفكر الشيعى، بل يعتبرونه انشقاقًا عن الإسلام، تمامًا كما هو الحال فى نظرتهم إلى الطوائف الأخرى، كالدروز مثلًا. كما أن الشعوب العربية لم تنسَ ما قامت به إيران فى لبنان وسوريا والعراق واليمن من تدخلات دامية ومثيرة للجدل.
ومع ذلك، فإن بعض العرب قد يبدون تأييدًا لإيران ليس حبًا بها، بل لأنها تُعارض إسرائيل وتواجهها عسكريًا. فالعاطفة الشعبية العربية لطالما انحازت إلى أى طرف يحارب إسرائيل، بغضّ النظر عن خلفياته الطائفية أو السياسية، لكن فى حال أقدمت إيران على توقيع اتفاق سلام مع أمريكا وإسرائيل، فإنها، فى نظر كثيرين، ستُصنّف فورًا ضمن قائمة «الخونة والعملاء