تصعيد محسوب أم تمهيد للصدام؟.. أمريكا وإيران في اختبار المفاوضات |خاص
تشهد الساعات الحالية حالة من الاحتقان المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، على خلفية تبادل التصريحات الحادة والتهديدات المتبادلة، وذلك قبيل انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات المرتقبة بين الجانبين.
وجاء التصعيد بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ألمح خلالها إلى إمكانية استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، ملوحًا بإجراءات قاسية في حال تعثر المفاوضات، وهو ما قوبل برد إيراني حاد.
خطوات تصعيدية
في المقابل، أعلنت طهران إمكانية اتخاذ خطوات تصعيدية، من بينها التلويح بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط عالميًا، ما أثار مخاوف واسعة بشأن اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
ويأتي هذا التوتر بعد ساعات من انطلاق جولة جديدة من المفاوضات، من المقرر أن تُعقد في إسلام آباد، وسط ترقب دولي لنتائجها في ظل تعقيد المشهد السياسي والعسكري في المنطقة.
في البداية أكد الدكتور هاني سليمان، رئيس المركز العربي للبحوث والدراسات، أن التطورات المتسارعة خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، خاصة ما يتعلق بإعادة فرض القيود على مضيق هرمز، تعكس حالة من التصعيد المتبادل بين الأطراف المعنية، في إطار ضغوط تفاوضية تهدف إلى تحسين شروط كل طرف قبل جولة المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد.
وأوضح "سليمان"، في تصريحات خاصة، أن هذا التصعيد يأتي في سياق محاولة كل طرف خفض سقف توقعات الطرف الآخر، وزيادة فرص تحقيق مكاسب تفاوضية، مشيرًا إلى أن الجولة المقبلة من المفاوضات تعد محطة مهمة قد تحسم عددًا من القضايا العالقة، خاصة بعد ما أسفرت عنه الجولة الأولى من تفاهمات جزئية مقابل استمرار الخلاف حول بعض البنود.
وأضاف أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني، عاصم منير، إلى طهران، حملت رسائل متعددة بين الأطراف، وأسهمت في توضيح بعض المواقف، إلا أن غياب التنسيق الكامل في التصريحات، خاصة بين الجانب الإيراني، ممثلًا في وزير الخارجية، والجانب الأمريكي، أدى إلى حالة من الغموض بشأن تفاصيل الاتفاقات المحتملة، ومنها ما يتعلق بإعادة فتح المضيق والضمانات المرتبطة بذلك.
مضيق هرمز كورقة ضغط
وأشار إلى أن ما زاد من حدة التوتر هو التصريحات الأمريكية، خاصة من قبل الرئيس دونالد ترامب، والتي حملت قدرًا من استعراض القوة والتأكيد على فرض الشروط، وهو ما قوبل برد فعل إيراني يسعى لإعادة التوازن، من خلال التأكيد على القدرة على التحكم في مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية.
وأكد "سليمان" أن هذا التصعيد، رغم خطورته وانعكاساته السلبية على المدى القصير، لا يعني بالضرورة انزلاقًا وشيكًا نحو مواجهة عسكرية شاملة، مرجحًا أن يتجه الطرفان إلى استكمال المسار التفاوضي، في ظل الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها كل منهما.
مهلة الأسبوعين
وأوضح أن مهلة الأسبوعين تمثل عامل ضغط كبير، خاصة على الإدارة الأمريكية التي لا تملك رفاهية إطالة أمد الأزمة، وكذلك على الجانب الإيراني الذي يتأثر بشكل مباشر بأي قيود على حركة الملاحة أو تصدير النفط.
وتوقع رئيس المركز العربي للبحوث والدراسات أن تشهد الجولة المقبلة من المفاوضات إعادة فتح المضيق مرة أخرى وفق تفاهمات محددة، مع إمكانية التوصل إلى حلول جزئية لبعض نقاط الخلاف، إلى جانب تمديد الهدنة لفترة إضافية، قد تمتد عبر جولات تفاوضية لاحقة.
الخيار التفاوضي
واختتم "سليمان" تصريحاته بالتأكيد على أن مسار الأزمة لا يزال مفتوحًا على عدة سيناريوهات، إلا أن الخيار التفاوضي يظل الأقرب في المرحلة الحالية، مع بقاء احتمال التصعيد العسكري قائمًا، لكن دون ترجيح حدوثه على المدى القريب.
من جانبه أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن ما تشهده المنطقة حاليًا من تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن اعتباره إعلانًا للحرب، بقدر ما هو استعراض قوة محسوب يهدف إلى تعزيز المواقف التفاوضية لكل طرف.
وأوضح "البرديسي"، في تصريحات خاصة، أن تصاعد حدة الخطاب والتهديدات المتبادلة يأتي في إطار لعبة سياسية معقدة، ترتفع فيها النبرة إلى أقصاها من أجل خفض سقف التنازلات إلى أدنى مستوى ممكن، مشيرًا إلى أن هذه اللغة التصعيدية لا تعني بالضرورة الاقتراب من مواجهة عسكرية مباشرة.
طبول حرب
وأضاف أن التهديدات المتداولة ليست "طبول حرب"، بل أدوات ضغط تفاوضي ثقيل، تستخدم لإعادة تشكيل موازين القوى على طاولة المفاوضات، مؤكدًا أن الرسائل النارية المتبادلة بين الطرفين تمثل في جوهرها محاولة لفرض شروط أفضل، وليس تمهيدًا لإطلاق صواريخ أو الدخول في صراع مفتوح.
وأشار إلى أن مضيق هرمز لا يمثل فقط ساحة محتملة لأي مواجهة، بل يعد ورقة ضغط اقتصادية شديدة الحساسية، إذ يدرك جميع الأطراف أن التصعيد في هذه المنطقة قد يؤدي إلى أضرار متبادلة، قد تطال الجميع قبل أن تصيب الخصم.
وأكد خبير العلاقات الدولية أن المنطقة تعيش حاليًا على حافة الاشتباك، حيث يلوح كل طرف بأدوات القوة دون وجود رغبة حقيقية في توجيه ضربة قاصمة، معتبرًا أن المشهد يعكس “معركة إرادة” أكثر منه صراعًا عسكريًا تقليديًا.
وحذر البرديسي من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في القرارات المعلنة، بل في احتمالات الخطأ أو سوء التقدير، مشيرًا إلى أن أي شرارة غير محسوبة قد تتحول سريعًا إلى تصعيد واسع النطاق.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الطرف الذي سينجح في فرض شروطه دون اللجوء إلى القوة العسكرية هو من سيحقق المكسب الحقيقي، في ظل توازن دقيق بين التصعيد والتهدئة يحكم المشهد الإقليمي الراهن.