جاء علي لسان الملك ريتشارد ملك انجلترا في فيلم الناصر صلاح الدين و هو الدور الذي قام به ببراعة الفنان الراحل حمدي غيث جملة " كل حلفاءك خانوك يا ريتشارد"، ليصف به حاله بعد هزيمة الحروب الصليبية في مصر، و هو ما ينطبق علي ترامب حاليا ،
فلم يسعي ترامب منذ بداية ولايته الثانية الي مزيد من تقوية علاقة بلاده مع حلفائها التقليديين مثل كندا و أعضاء حلف شمال الأطلسي الناتو و دول الاتحاد الأوروبي و حتي الدول الآسيوية مثل كوريا الجنوبية و اليابان ، بل سار ترامب ضد التيار الأمريكي المعتاد تحت شعار امريكا أولا و ان الجميع يستغل بلاده و سعي لفرض رسوم تجارية علي الجميع و محاولة تحقيق بعض الأهداف الروسية في حربها ضد أوكرانيا علي حساب المصالح الاوروبية في محاولة فاشلة منه لإنهاء هذه الحرب ، بجانب ايضا اصراره علي انتزاع جزيرة جرينلاند ضد رغبة سكانها و الدنمارك و دول اوروبا التي استشعرت الخطر ، الأمر الذي كان له تأثير سلبي علي علاقات بلاده مع كل تلك الدول ، و لهذا فإنها جميعها بلا استثناء رفضت مساعدته في مأزق حربه و إسرائيل ضد إيران او السعي لفتح مضيق هرمز بالقوة كما أراد ، بل سعت بعضها للتفاهم مع ايران بشكل ثنائي السماح بمرور سفنها و ناقلتها للبترول من مضيق هرمز ، و هو ما شكل ورقة ضغط حاسمة في يد إيران التي استغلت - وقوف ترامب بمفرده و الضغوط الأمريكية الداخلية عليه بسبب زيادة الاسعار و عدم تحسن الاقتصاد و صرف المليارات علي حرب لم يستشير فيها حتي الكونجرس الأمريكي -احسن استغلال للمساومة ، بجانب استخدامها لفن الدعاية و البروباجندا بشكل جيد و كذلك المناورة بورقة فتح مضيق هرمز في المفاوضات الحالية، بل و هددت بإغلاق باب المندب ايضا علي يد الحوثيين، إيران ظلت تساند حلفائها و ايديها الممدودة سواء لحزب الله في لبنان او الحوثيين في اليمن بشكل مستمر و لم تتخلي عنهم بسهولة علي مدي سنوات برغم الضغوط في حين تخلي ترامب بسهولة عن حلفاءه و هددهم، ترامب اذا كان لم ينتصر في حربه ضد إيران فقد هزم في الداخل و من اقرب حلفاءه قبل أن يهزم معنويا من إيران، و هو الذي فعلها في نفسه بسبب عدم حساب أهمية الحلفاء في اى حرب . فمهما كانت قوتك يمكنك أن تهزم اذا تمت خيانتك من المقربين لك ، و هو درس مهم لأى دولة قبل أن تدخل في حرب ، و لو قارنا تلك الحرب بما حدث من قبل ضد ليبيا او العراق فسنكتشف بسهولة انه في الحربين كان هناك حلفاء لأمريكا، أما الآن فلا حليف الا إسرائيل، و إسرائيل فقط ، فهذه حرب تمت لتحقيق أهداف إسرائيلية بحتة و ليست أهداف أمريكية في الأساس، و حجة ان ايران قد تمتلك أسلحة نووية لم يقتنع بها احد ، فإسرائيل لديها أسلحة و رؤوس نووية و هددت باستخدامها من قبل في حرب ٧٣ ، و لا احد يتحدث عن مخاطرها للاسف ، ترامب حاول تبرير حربه بمنع امتلاك إيران السلم و نووية و استخدم كل ذكائه لاخافة أوروبا و الخليج من الخطر الإيراني،و لكن لم يصدقه الكثيرون في أوروبا، في حين كانت طهران اذكي و أكثر خبثا في استخدام البروباجتدا ،
فاستخدام الدعاية السياسية و البروباجندا في فترة الحروب علم و فن قد يساعد في النصر او الهزيمة لما له من تأثير علي تقوية الجبهة الداخلية و كسر جبهة العدو ، و لعل ما يكتبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوميا علي وسائل التواصل الاجتماعي و خاصة منصته تروث سوشيال التي أطلقها بعد حظره من المنصات الكبري في 2021 و تديرها شركة ترامب ميديا أحد أبرز أساليب البروباجندا الفجة حيث احيانا ما يقول ترامب في تدويناته الأمر و عكسه في ساعات قليلة، فترامب يتبع اسلوب البروكر او المسوق العقارى الذي يقول لك شيئ ليجذبك ثم يبدأ في قول تفاصيل مختلفة عن ما ذكره في البداية و المهم ان يتم جذب الزبون للانتباه له و متابعته و شراء ما يقوله كانه حقيقة واقعة ، أما إيران فالمؤكد انها استعدت لهذه الحرب جيدا و تدرك كيفية استخدام سلاح البروباجتدا بشكل يجعلها اكثر مصداقية و تتبع أسلوب البازار او التاجر الشاطر الذي يجعلك تثق فيه و في البضاعة التي يقدمها ، و قد كانت رسالة الماجستير التي حصلت عليها من الجامعة الأمريكية منذ سنوات عن كيفية استخدام الدعاية و البروباجندا في أوقات الحروب والنزاعات و لهذا استطيع ان اقول ان ايران كسبت في حرب الدعاية أكثر من امريكا للاسف ، فقد نجحت في زرع محللين إيرانيين في القنوات العربية
الرئيسية مثل الجزيرة يتحدثون باللغة العربية و كأنهم عرب و يوضحون وجهات نظر طهران و هو ما لم تفعله امريكا ، و ايضا بثت طهران قنوات كرتون علي اليوتيوب و المنصات الشهيرة الأخري تبث مقاطع فيديو مطورة بالذكاء الاصطناعي، استخدمت فيها شخصيات "ليغو" (LEGO) للسخرية من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في إطار "حرب الدعاية" المستعرة بين واشنطن وطهران. ، حيث قامت المجموعة التي تطلق على نفسها "إكسبلوسيف ميديا" بنشر مقاطع رسوم متحركة تمزج بين صور دونالد ترمب وعمليات إطلاق صواريخ وطائرات مقاتلة و حققت هذه الفيديوهات ملايين المشاهدات بعد اندلاع الأعمال القتالية في ثمانية وعشرين فبراير الماضي وقد حجبت اليوتيوب هذه القناة بعد أن حققت نجاح كبير حتي داخل امريكا نفسها في حين لا تزال المنصات لم تحجبها ،
و المشكلة ان المفاوض الإيراني يستخدم تكنيك صانع السجاد الإيراني المشهور بقوته و دوام عمره لسنوات و المليئ بالصبر و الخبث و القدرة علي الإخفاء و المناورة و تحريك الخيوط والقطع مثل لعبة الشطرنج و هي اللعبة التي اخترعها الهنود و طورها الفرس و اسموها شطرنج ، وعلي الجانب الآخر فإن المفاوض الأمريكي يستخدم تكنيك الكابوى القوي السريع المندفع الذي يسعي للمواجهة و الذي يريد تحقيق كل شيئ بممارسة الضغوط علي الخصم و التخلص منه بسرعة و بلا رحمة ، و بالمناسبة فقد قرأت ان المعنى الحرفي ل "قاليباف" رئيس وفد التفاوض الإيراني و رئيس البرلمان الإيراني في الفارسية هو "ناسج السجاد". والمعنى الحرفي ل "فانس"( نائب الرئيس الأمريكي و رئيس وفد التفاوض) في الإنجليزية هو "ساكن المستنقع" .
و لان من يكسب في معركة الاستخدام الافضل للتكنولوجيا و الدعاية في هذه الحرب سيحقق نتاىج جيدة فان ايران بمساعدة الصين و روسيا حققت نقاط للأمام، فقد استخدمت ورقة مضيق هرمز و التلويح ايضا بوقف الملاحة في باب المندب الأمر الذي أجبر ترامب علي التوقف عن الهجمات نظرا للضغوط الداخلية و الخارجية بسبب وقف التجارة العالمية و زيادة الضغوط علي الاقتصاد الامريكي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، و بعد ان أكد ترامب ان قواته البحرية تسيطر علي مضيق هرمز و انه انهي تماما القوات البحرية الإيرانية فوجئ ان عدة زوارق إيرانية صغيرة تستطيع بأسلحة محمولة علي الأكتاف إصابة السفن الكبري و تعطيل الملاحة و إغلاق هرمز مجددا ، و بعد ان أكد وزير خارجية إيران ان المضيق مفتوح بعد توقف الهجمات الإسرائيلية علي جنوب لبنان عاد بعدها بساعات الحرس الثورى الإيراني ليؤكد إغلاقه مجددا ، كل ذلك يقع في مجال حرب الاعصاب و الدعاية للضغط علي الطرف الآخر، ترامب ذكر ان ايران وافقت علي تسليم اليورانيوم المخصب فاكدت طهران انه لم يحدث، و المؤكد أن إيران لا تقاتل بمفردها فهناك مساعدات لوجتسية و تكنولوحية تقدم من جانب الصين التي ليس من مصلحتها اى سيطرة أمريكية كاملةعلي المضايق في تلك المنطقة لان ذلك سينسف مشروع الحزام و الطريق الصيني الاستراتيجي لوضع الصين كقوة عظمي اقتصادية و تجارية و ايضا روسيا ليس من مصلحتها خسارة الحليف الأخير لها بالشرق الأوسط بعد ان فقدت سوريا و بالتالي بالحرب تتم الآن بالوكالة، المشكلة ان ترامب حاليا يقف بمفرده في تلك الحرب ليس معه الا إسرائيل ، فقد فقد ترامب ثقة حلفاءه و أصدقاءه و ليس من السهل اعادتها، أما إيران فتمسكت بحلفائها و ساعدتها روسيا و الصين ، و تحاول إيران حاليا التحدث مع الدول الخليجية و تقليل المخاوف من سياستها و اطماعها ، فتوجيه ضربات لدول خليجية زاد من القلق تجاهها، و لكن الأمر المؤكد في وسط كل هذا لضباب و عدم اليقين و استخدام الدعاية بشكل مكثف من كلا الجانبين ان الدول العربية تحتاج الي مراجعة نفسها و سياستها الفترة القادمة بعد أن أصبحت مفعولا بها للاسف ، و لا احد يستشيرهم حتي في المفاوضات علي الرغم من انهم كانوا الأكثر تضررا ، و هم ايضا ينطبق عليهم نفس مقولة كل حلفاءك خانوك يا ريتشارد .