عاجل

حرب الإعلام.. كيف يحول ترامب وإيران التنازلات إلى انتصارات وهمية؟

أرشيفية
أرشيفية

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمراقبة حركة الملاحة القلقة في مضيق هرمز، الذي شهد قصة "فتح وإغلاق" دراماتيكية خلال أقل من 48 ساعة، تجري خلف الكواليس معركة من نوع آخر لا تقل ضراوة عن المواجهات العسكرية، وهي معركة "المصطلحات".

يسعى كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقيادة الإيرانية إلى استثمار هلامية اللغة لصياغة رواية انتصار تضمن لكل طرف الوقوف فوق منصة التتويج أمام جمهوره الداخلي، حتى لو كان الواقع الميداني يحمل تفاصيل مغايرة تماما.

تريندز للأبحاث والاستشارات - الحرب الأمريكية الإيرانية متعددة الجبهات وتداعياتها العالمية

حرب النصوص.. لماذا تتعدد نسخ "اتفاق الهدنة" بين طهران وواشنطن وإسلام آباد؟

وفقا للتقارير، ففي مضيق هرمز، لا تبدو القصة مجرد فتح ممر مائي، فبينما يروج ترامب للحدث باعتباره خضوعا كاملا لإرادته ونجاحا لسياسة "الضغط الأقصى" في نزع سلاح إيران الاقتصادي، تعيد طهران تسويق المشهد بوصفه تكريسا لسيادتها. 

فرضت إيران ما تصفه بـ "بروتوكول المسارات المنسقة"، وهو إجراء يحول المضيق عمليا من ممر دولي مفتوح إلى ممر يخضع للإدارة المباشرة للحرس الثوري، فمن خلال إجبار السفن على اتباع مسارات بديلة بمحاذاة جزيرة لارك وطلب إذن مسبق، حصلت طهران على اعتراف ضمني بقدرتها على التحكم في أهم شريان للطاقة في العالم، محولة "حسن النية" المزعوم إلى أداة لفرض الأمر الواقع.

حرب العواقب غير المقصودة

هذا التباين في الروايات امتد ليصل إلى قلب الملف النووي، حيث لجأ ترامب إلى استراتيجية "التحقير اللغوي" عبر إطلاق مصطلح "الغبار النووي" على مخزون اليورانيوم المخصب. 

يهدف هذا الوصف إلى إقناع الناخب الأمريكي بأن ما سلمه الإيرانيون ليس إلا "نفايات" بلا قيمة تخلصت منها القاذفات الأمريكية، متجاهلاً القيمة الاستراتيجية لهذا المخزون التي دفعت إدارته لبحث الإفراج عن 20 مليار دولار من الأرصدة المجمدة في المقابل. 

وفي الوقت الذي يصر فيه ترامب على أن إيران وافقت على تسليم هذا "الغبار" دون مقابل نقدي، ترفض طهران بشدة فكرة نقل اليورانيوم للخارج، وتصوره كمقايضة ذكية لاستعادة الأموال دون تقديم تنازلات جوهرية لم تكن مطروحة من قبل.

وعلى جبهة تعويضات الحرب، تبرز فجوة هائلة بين تقديرات طهران لخسائرها التي بلغت 270 مليار دولار، وبين نفي ترامب القاطع لتقديم أي سنت واحد كتعويض.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران: نظرة فاحصة على صمت روسيا - هشت صبح

وتتجلى ذروة هذا التضارب في "حرب النصوص" التي رافقت إعلان وقف إطلاق النار، حيث تسربت ثلاث نسخ مختلفة للهدنة، فبينما احتفلت النسخة الفارسية الموجهة للداخل الإيراني بـ "انتصار تاريخي" أرغم واشنطن على دفع التعويضات والانسحاب من المنطقة، هاجم ترامب وسائل الإعلام الأمريكية التي نشرت هذه النقاط، واصفا إياها بالـ "مزيفة"، ومتمسكا بنسخة الوساطة الباكستانية التي لا تتضمن أيا من تلك الشروط.

المشهد الراهن يشير إلى أن الطرفين لا يبحثان عن حسم عسكري نهائي بقدر ما يبحثان عن "نص حمال أوجه".

نص يتيح لترامب أن يقول إنه أخضع إيران وانتزع "غبارها"، ويسمح لطهران بأن تقول إنها فرضت سيادتها على البحار واستعادت ملياراتها المجمدة، وتبقى الحقيقة ضائعة بين رادارات السفن في هرمز وبين التغريدات المتصارعة في الفضاء الإلكتروني، حيث أصبح الانتصار يُصنع بالكلمات بقدر ما يُصنع بالبارود.

تم نسخ الرابط