عاجل

أسرار العسل.. خبير: قدمه المصري القديم كمهر وقبله كجزية واستخدمه في التحنيط

المصري القديم والنحل
المصري القديم والنحل

يعد العسل من أهم العناصر الطبيعية التي اعتمد عليها البشر في التغذية والاستشفاء، والتي اعتقد بها القدماء والمعاصرون أن فيها دواء، حتى إن الأديان اعتنت بالعسل فقد أوصى القرآن الكريم به ومدحه الله تعالى في محكم كتابه ووصفه تعالى بأنه من النعم التي أنعم بها على البشر. 

ويبدو أن المصري القديم قد أدرك مدى النفع من هذا السائل الذي اختصه تعالى بالعديد من الصفات والخصائص.

وعن مدى عناية قدماء المصريين بالعسل، يقول بسام الشماع، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، إن المصري القديم، سجل مناظر ملونة للنحل وجداريات منحوتا عليها مناحل وكيفية التعامل معها من العمال والمشرفين آنذاك، بل كان هناك كهنة ومشرفون على المناحل، وطالب بعمل متحف يعرض تلك الجداريات، والقوس المرتبطة بها، ويتم عرض نماذج لنوع النحل المصري ونماذج تشريحية كبيرة مبسطة لأعضاء جسد النحلة المصرية ونوعها وتشريحها. 

وأكد العلماء أن تربية النحل تُمارس في مصر منذ 4500 عام، حيث كانوا يصنعون خلايا النحل من أنابيب الطين أو طمي النيل، ويتم نقلها من مكان لآخر حسب فصول العام، مما يسمح للنحل بتلقيح الأزهار في كل موقع جديد، حيث يتم حمل الخلايا إلى الأزهار القريبة ويُطلق سراح النحل، وبذلك فخلية النحل كان من الممكن أن تجوب مصر كلها، ولا تزال تلك العادة مستمرة حتى يومنا هذا، وكان العسل السائل المفضل لجميع طبقات الشعب المصري القديم، ويُنتج بكميات كبيرة. 

استخدامات العسل عند قدماء المصريين

استخدم المصري القديم العسل في تحلية الطعام، وفي الوقاية من العدوى بوضعه على الجروح، وفي دفع الضرائب، بل في دفع مهر العروس، حيث عُثر على عقد زواج مكتوب فيه: “أتخذك زوجة لي... وأتعهد بأن أقدم لك سنويًا 12 جرة من العسل”.

كما كان العسل يُقدم جزية من الشعوب المهزومة، فمثلًا قبيلة ريتينو بسوريا كانت تدفع سنويًا العديد من جرار العسل للملك جحوتي مس “تحتمس الثاني”، كما استُخدم العسل وشمع النحل لأغراض دينية وعملية على حد سواء، فكانت الحيوانات المقدسة تُطعم الكعك المحلى بالعسل وضمنها الثور المقدس في منف، والأسد المقدس في ليونتوبوليس، والتمساح المقدس في كروكوديلوبوليس. 

التحنيط

استخدم المصري القديم العسل في تحنيط جسد المتوفى، كما كانت التوابيت تُغلق بشمع النحل، وكانت جرار العسل تُوضع في المقابر كقرابين للمتوفى ليأكل منها في الحياة الأخرى، وضمن الاكتشافات الأثرية في مقبرة الملك توت عنخ آمون، وُجدت جرة بها عسل صالح للأكل لأن العسل لا يفسد، وكان الكهنة يستخدمون أدوات خاصة لوضع العسل في فم تمثال المعبود أو تمثال أو مومياء الملك أو النبيل. 

العسل في المعتقد المصري القديم 

بعض النصوص تشير إلى أن المصريين ربما اعتقدوا أن روح الإنسان “الكا” قد تتخذ شكل نحلة، كما يقارن أحد طقوس كتاب “إم دوات” أو العالم الآخر، أصوات الأرواح بطنين النحل، حيث مكتوب فيه: “يصرخ هذا المعبود إلى أرواحهم بعد دخوله مدينة المعبودات الذين على رمالهم، وتُسمع أصوات أولئك المحبوسين في هذا الدائرة كأنها طنين عدد كبير من نحل العسل حين تصرخ أرواحهم إلى رع"، كما ورد في نص سحري آخر بـ “بردية الملح”: “النحل خُلق من دموع رع، خالق الأرض والبحر، عينه اليمنى الشمس واليسرى القمر، وهو سبب فيضان النيل”، “عندما يبكي رع مرة أخرى، تتحول المياه التي تسقط من عينيه على الأرض إلى نحل عامل، يعمل في الأزهار والأشجار من كل نوع، ومنه يأتي الشمع والعسل”.

في عهد الملك ني أوسر رع (الأسرة الخامسة)، أدخل مناظر النحل في معبده الشمسي، كما قام الملك ونيس آخر ملوك الأسرة الخامسة، بتجسيد مشابه ووضعه على الطريق الواصل بين هرمه ومعبد الوادي، وظهرت المناظر أيضا في مقبرة الوزير رخ مي رع (TT100) وثانورو (TT101) من الأسرة الثامنة عشرة، وكذلك في مقبرة باباسا (TT279) من الأسرة السادسة والعشرين.

ويقول الشماع، إنه قرأ في مصدر معتبر أنه: “رغم أن هذه المشاهد لم تكن شائعة، فإن تقديم العسل كقربان كان يُصوَّر كثيرًا، خاصة في مقابر طيبة الخاصة من الأسرة الثامنة عشرة، كما يتضح ارتباط النحل بعبادة المعبود ”مين"، وهو أحد أقدم الآلهة في الأساطير المصرية القديمة، ويُعرف كإله للخصوبة، والتكاثر، والقدرة الجنسية الذكورية، حيث حمل بعض كهنته ألقابًا تتعلق بالعسل والنحل، ويؤكد بحث علمي أنه ومثل ثقافات أخرى، اعتقد المصريون القدماء أن ملكة النحل ذكر، وربما كان تنظيم النحل ورعايته لصغاره نموذجًا يُحتذى به للنظام الملكي.

نقش يصور الاله مين . الهة الخصوبة والتكاثر في مصر القديمة . الاسرة الثانية  عشر
الاله مين 

النحلة لقب ملكي 

ومنذ الأسرة الأولى، كانت النحلة جزءًا من أحد الألقاب الخمسة للملك (نسوت بيتي)، ويُترجم إلى «سيد القصب والنحلة»، حيث ترمز النحلة إلى مصر السفلى (الشمال)، بينما يرمز القصب إلى مصر العليا (الجنوب)، وكان العسل، باعتباره مادة ناتجة عن تدخل سحري للنحل، يرمز إلى البعث والخلود، ويرتبط بفكرة القيامة والقدرة على طرد الأرواح الشريرة، كما ارتبط بدموع المعبود رع، حسبما ورد في بردية بولاق.

اللقب  النسو بيتي للملك 
اللقب  النسو بيتي للملك 

العسل علاج سحري

ونظرًا لخصائصه العلاجية، عُدَّ العسل علاجًا سحريًا، ووصفت بعض النصوص طرق صنع تمائم باستخدامه للحماية من الجن والشياطين التي كان يُعتقد أنها تسبب الأمراض، واستُخدم في التحنيط لقدرته على منع نمو البكتيريا، كما استُخدم للتعبير عن الهدوء والفرح؛ إذ تذكر بردية هيرست أن قلوب المعبودات، كانت تطيب بالعسل، مما يجلب لها السعادة، وكذلك كان المتوفى يأمل أن تضمن له قرابين العسل السعادة في الحياة الأخرى.

تم نسخ الرابط