إنَّ الدين رحمةٌ للعباد وليس شقاءً للبشرية؛ قال الله تعالى: ﴿طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا رحمة مهداة”، وقال سبحانه: ﴿إنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾.
فالله عز وجل يبتلي عباده بالسراء والضراء، وبالشدة والرخاء، وقد يكون ذلك لرفع درجاتهم، وإعلاء ذكرهم، ومضاعفة حسناتهم، كما يفعل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وبالصالحين من عباده؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل”.
وقد يكون البلاء بسبب المعاصي والذنوب، فتكون المصيبة عقوبةً معجَّلة؛ قال الله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾.
والغالب على الإنسان التقصير في حق الله تعالى، فما يصيبه قد يكون بسبب ذنوبه وتقصيره في أداء ما أوجب الله عليه. فإذا ابتُلي العبد الصالح بشيءٍ من المرض أو الخوف أو الجوع أو نقص الأموال أو الأولاد أو غير ذلك من متاعب الدنيا؛ فقد يكون ذلك من جنس ابتلاء الأنبياء والرسل، رفعًا في الدرجات وتعظيمًا للأجور.
وقد يكون البلاء لتكفير السيئات ومحو الخطايا؛ كما قال تعالى: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما يصيب المسلم من همٍّ ولا غمٍّ ولا نصبٍ ولا وصبٍ ولا حزنٍ ولا أذى إلا كفَّر الله به خطاياه، حتى الشوكة يشاكها”، وقال صلى الله عليه وسلم: “من يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه”.
وقد يكون البلاء عقوبةً معجَّلة بسبب المعاصي وعدم المبادرة بالتوبة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: “إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة”.
وقد ذكر بعض العلماء علاماتٍ للتفريق بين العقوبة والابتلاء لرفع الدرجات، وذلك بالنظر إلى حال العبد عند المصيبة؛ فقال عبد القادر الجيلاني:
“علامة الابتلاء على وجه العقوبة والمقابلة: عدم الصبر عند وجود البلاء، والجزع، والشكوى إلى الخلق.
وعلامة الابتلاء تكفيرًا أو تمحيصًا للخطيئات: وجود الصبر الجميل من غير شكوى ولا جزع، ولا ضجر، ولا تثاقل في أداء تكاليف العبادات أو الطاعات.
وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات: التحلي بالرضا والموافقة، وطمأنينة النفس وسكونها حتى تنكشف المحن والابتلاءات.”
وبذلك يتبيّن أن البلاء ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون رحمةً من الله تعالى بعبده، وسببًا لرفع منزلته، وتكفير سيئاته، وامتحانًا لإيمانه وصبره، وإنما يُعرف مقصود البلاء بما يظهر على العبد من حاله عند نزوله، من صبرٍ أو جزع، ورضًا أو سخط.
والله أعلم.