عاجل

«كشك القصاصين».. بين عاطفة المشهد وحقيقة القانون.. وخبراء: هيبة الدولة خط أحمر

الشخص
الشخص

لم تكن عقارب الساعة تشير إلى الثامنة من صباح الخميس 16 أبريل 2026، حتى استيقظت مدينة القصاصين الجديدة بمحافظة الإسماعيلية على مشهد لم تألفه من قبل، مشهد امتزجت فيه ألسنة اللهب بصراخ مكتوم عبر شاشات الهواتف المحمولة. المواطن "رجب الصغير"، صاحب كشك بقالة بسيط، يسكب المواد الحارقة على مصدر رزقه الوحيد ويشعل النيران في "بث مباشر" شاهده الآلاف، مرددًا عبارته التي زلزلت منصات التواصل: «عشان ترتاح يا معالي المحافظ».
هذا المشهد، الذي بدا في ظاهره مأساة إنسانية لمواطن يرى شقاء عمره يتفحم، فتح في باطنه ملفًا شائكًا لطالما أرق الدولة المصرية: "ملف التعديات على أملاك الدولة". فبينما انقسم الرأي العام بين متعاطف مع "دموع صاحب الكشك" وبين مؤيد لـ"سيادة القانون"، تكشف "البوابة نيوز" في هذا التحقيق الأبعاد الغائبة عن الصورة، وتستطلع آراء الخبراء حول كيفية الموازنة بين مقتضيات القانون والبعد الاجتماعي.
البداية.. وقائع لا تحتمل التأويل
بالبحث في سجلات محافظة الإسماعيلية والوحدة المحلية لمركز ومدينة القصاصين، تبين أن الكشك "محل الواقعة" ليس مجرد كشك خشبي عابر، بل هو منشأة من الصاج مثبتة بقاعدة أسمنتية، أقيمت بالمخالفة منذ عام 2014 على "حرم الري".
المستندات تؤكد أن الواقعة لم تكن مفاجئة؛ فقد صدر بحق الكشك عدة قرارات إزالة، منها القرار رقم 110 لسنة 2019 والقرار رقم 41 لسنة 2023. والأهم من ذلك، أن المواطن "رجب الصغير" التقى بمحافظ الإسماعيلية في لقاء خدمة المواطنين يوم الأربعاء 8 أبريل (قبل الحادث بثمانية أيام)، حيث وجّه المحافظ فورًا بتوفير "بديل قانوني" له عبارة عن محل تجاري بـ "إيجار رمزي" قدره 300 جنيه شهريًا، حفاظًا على مصدر رزقه، إلا أن المواطن رفض العرض وأصر على البقاء في "المكان المخالف"، ليفاجئ الجميع بحرق الكشك بنفسه قبل وصول حملات الإزالة.
اللواء أشرف عبد العزيز: القانون سلطان ولا يعرف "لي الذراع"
في حوار خاص، يحلل اللواء أشرف عبد العزيز، الخبير الأمني والاستراتيجي، الواقعة من منظور أمني بحت، مؤكدًا أن هيبة الدولة هي الضامن الوحيد لاستقرار المجتمع.
يقول اللواء أشرف: «بدايةً، يجب أن نتفق أن القانون ليس رفاهية، بل هو ضرورة ملحة لاستعادة الانضباط في الشارع المصري. ما قام به المواطن في القصاصين هو محاولة واضحة لـ "لي ذراع" الدولة واستمالة العواطف الشعبية لشرعنة وضع غير قانوني. نحن أمام كشك يحتل رصيفًا وحرمًا للمرافق العامة، وهذا اعتداء صارخ على حق كل مواطن في طريق آمن».
ويضيف الخبير الأمني: «الدولة المصرية في عهدها الجديد لا تترك مواطنًا دون بديل. ما حدث من المحافظة هو قمة "الإنسانية المسؤولة"؛ فقد وفرت محلاً بديلاً وبسعر زهيد. رفض المواطن لهذا الحل وتحوله إلى "الدراما الرقمية" عبر البث المباشر هو سلوك يهدد الأمن العام، لأنه يعطي انطباعًا خاطئًا بأن الفوضى يمكن أن تحميك من القانون».
ويختتم اللواء أشرف حديثه قائلاً: «الحملات التي نشهدها حاليًا في القاهرة والجيزة والعريش وكافة المحافظات تهدف لاستعادة الوجه الحضاري لمصر. لا يوجد أحد فوق القانون، والتعاطف لا يجب أن يمنح حصانة للمخالفين».
د. إيناس عبد العزيز  خبيرة الامن الرقمى 


روح القانون وتجارب العالم في "القبضة الناعمة"


من جانبها، تقدم الدكتورة إيناس عبد العزيز رؤية قانونية واجتماعية مقارنة، مؤكدة أن "روح القانون" تجلت في عرض البدائل، لكن "نص القانون" يجب أن ينفذ.
تقول الدكتورة إيناس: «في فقه القانون، هناك ما يسمى بالعدالة التصالحية، وهو ما فعلته الدولة حين عرضت المحل البديل. المواطن هنا انتقل من مرتبة "المحتاج" إلى مرتبة "المعاند للقانون". إن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتصدير مشهد الانهيار هو نوع من "الابتزاز العاطفي" الذي لا ينبغي أن يثني المؤسسات عن عملها».
وتستعرض الدكتورة إيناس تجارب دولية في التعامل مع هذا النوع من الأزمات:
• نموذج سنغافورة: «تعتبر سنغافورة من أشد الدول تطبيقًا لقانون الصحة العامة والبيئة. هناك، لا يمكن وضع "طاولة" في الشارع دون ترخيص. السلطات هناك تطبق العقوبة أولاً وبصرامة حديدية، ثم توجه المتضرر إلى "وكالات الخدمة الاجتماعية" للدعم، لكنها لا تسمح أبدًا ببقاء المخالفة دقيقة واحدة تحت ذريعة العاطفة».
• نموذج كوريا الجنوبية (سول): «عانت "سول" طويلاً من الأكشاك المخالفة، وفي عام 2007 أطلقت برنامج "التنظيم المرن"؛ حيث نقلت كافة الأكشاك إلى "أكشاك نموذجية" في أماكن محددة بعيداً عن ممرات المشاة. من يرفض النقل يواجه مصادرة فورية وغرامات باهظة، ولا يتم الالتفات لأي ضغط إعلامي أو شعبي، لأن القاعدة هي: "الرصيف حق عام وليس ملكية خاصة"».
• نموذج نيويورك: «في الولايات المتحدة، وتحديداً في نيويورك، تخضع "أكشاك البيع" لرقابة صارمة من إدارة الصحة والشرطة. أي مخالفة لشروط التراخيص تؤدي لمصادرة الكشك بالكامل فورًا. القانون هناك يرى أن احتلال سنتيمتر واحد من الرصيف هو "سرقة" لمنفعة عامة».
الخلاصة: هل ننتصر للنظام أم للفوضى؟
تنتهي واقعة "كشك القصاصين" ويبقى الدرس: إن الدولة التي تبني مدنًا ذكية وطرقًا عالمية لا يمكنها أن تترك أرصفتها لسياسة "الأمر الواقع". إن يد المحافظة التي امتدت بالعون والمحل البديل هي ذات اليد التي يجب أن تطبق القانون بقوة.
التعاطف مع "رجب الصغير" كإنسان هو أمر فطري، لكن الانصياع لرغبته في مخالفة القانون هو بداية لنهيار الدولة المدنية. القانون لا يظلم، ولكنه في طريق استعادة الحقوق، لا يملك ترف "البكاء على الأطلال المخالفة

تم نسخ الرابط