لم يعد الجدل حول قانون الأحوال الشخصية في مصر مجرد نقاش قانوني بين متخصصين، بل أصبح قضية رأي عام تمس كل بيت تقريبًا. المشكلة الحقيقية ليست فقط في نصوص القانون، بل في الطريقة التي تُدار بها العلاقات بعد الطلاق، حيث يتحول الانفصال في كثير من الحالات إلى معركة طويلة، لا منتصر فيها.
الأكيد أن القانون، بصيغته الحالية، فشل في تحقيق توازن حقيقي بين الأطراف. فبينما يرى بعض الآباء أنهم مهمشون في حياة أبنائهم، محصورون في ساعات رؤية محدودة لا تكفي لبناء علاقة إنسانية طبيعية، تشعر كثير من الأمهات أنهن تُركن وحدهن في مواجهة مسؤوليات ضخمة، مادية ونفسية، في ظل نظام لا يضمن لهن دائمًا حقوقًا مستقرة أو تنفيذًا عادلًا للأحكام.
لكن اختزال القضية في صراع “أب ضد أم” هو في حد ذاته خطأ كارثي. الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن الطرف الأضعف، والأقل صوتًا، هو الطفل. هذا الطفل الذي يجد نفسه ممزقًا بين طرفين، يُستخدم أحيانًا كورقة ضغط، أو وسيلة انتقام غير مباشر. وهنا يتحول القانون، بدلًا من أن يكون أداة حماية، إلى جزء من المشكلة.
ما يحدث بعد الطلاق في كثير من الحالات ليس تنظيمًا للعلاقة، بل إعادة إنتاج للصراع بشكل قانوني. دعاوى لا تنتهي، خلافات على الرؤية، تهرب من النفقة، أو تعنت في تنفيذ الأحكام. وفي ظل هذا المشهد، ينشأ الطفل في بيئة مشحونة بالتوتر، ما ينعكس على استقراره النفسي وشعوره بالأمان، وقد يترك آثارًا تمتد لسنوات طويلة.
إذا كنا جادين في الحديث عن الإصلاح، فلا بد من مواجهة الحقيقة: نحن بحاجة إلى إعادة نظر بطريقة جذرية، لا تجميلية. مفهوم “الرؤية” بصيغته التقليدية لم يعد مناسبًا لعصرنا، لأنه يحوّل العلاقة بين الأب وأبنائه إلى لقاءات رسمية باردة. في المقابل، فكرة “الاستضافة” ليست رفاهية، بل ضرورة لإعادة التوازن، بشرط أن تُطبق بضوابط واضحة تضمن مصلحة الطفل أولًا.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن الحديث عن حقوق دون ضمان تنفيذها. النفقة ليست منّة، بل حق أصيل للطفل، وأي تقصير في ضمانها هو تقصير في حق جيل كامل. كذلك، لا يجب أن تتحمل الأم وحدها عبء التربية اليومية دون دعم حقيقي، سواء من الأب أو من منظومة اجتماعية أكثر عدلًا.
الأزمة في جوهرها ليست قانونية فقط، بل ثقافية أيضًا. فطالما استمر التعامل مع الطلاق باعتباره ساحة لتصفية الحسابات، ستظل أي نصوص قانونية عاجزة عن تحقيق العدالة. المطلوب هو تغيير جذري في طريقة التفكير: من صراع على الحقوق، إلى شراكة في المسؤولية.
في النهاية، لا يحتاج المجتمع إلى قانون يُرضي طرفًا على حساب الآخر، بل إلى قانون يحمي الطفل أولًا، ويعيد تعريف العلاقة بين الأب والأم بعد الطلاق باعتبارها مسؤولية مشتركة، لا معركة مستمرة. لأن الخاسر الحقيقي، في كل مرة، ليس الأب ولا الأم… بل جيل كامل