عاجل

 

هل يمكن لدولة أن تواجه هذا الكمّ من العواصف، وتظلّ واقفة كأنها شجرة ضاربة بجذورها في أعماق الأرض؟

هل يمكن لأمة أن تنهض بعد كل كبوة، وتحوّل الهزيمة إلى دافع للنصر، والفوضى إلى مسار جديد للبناء؟

هذا هو السؤال الذي يثير الفضول كلما تأملنا رحلة مصر في  قرن مضطرب، مليء بالأحداث التي كادت تعصف بكيانها، لكنها تحولت – بفضل إرادة شعبها وقيادتها – إلى علامات مضيئة في سجل التاريخ.

منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم، كانت مصر دائمًا في قلب اللحظة الحرجة ،كل تحدٍّ لم يكن مجرد امتحان سياسي أو اقتصادي، بل كان امتحانًا للهوية، للكرامة، للقدرة على البقاء.

 هذه التساؤلات المهمة والعميقة جاءت فى افتتاحية  الفصل الثانى من كتاب مصر فى عيون طلال أبوغزاله المفكر العربى ويرصد فيه سر مصر قوتها وكيف واجهت التحديات الكبرى، و عبرت محطات فارقة صنعت ملامحها الحديثة.

يقول  المفكر العربى طلال أبوغزاله حين اندلعت حرب فلسطين عام 1948، كانت مصر قد خرجت لتوّها من قبضة الاستعمار البريطاني، مثقلة بجراح الداخل،ورغم ذلك، وجدت نفسها أمام مسؤولية قومية جسيمة الدفاع عن الأرض العربية في وجه المشروع الصهيوني المدعوم بقوى كبرى.

جاءت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل  بأوهام أنها قادرة على أن تعود مصر سنوات إلى الوراء،غير أن المفاجأة كانت في المقاومة الشعبية، وفي وحدة القيادة والشعب، وفي صمود لم يكن متوقعًا.

انسحبت القوات الأجنبية تحت ضغط المقاومة من جهة، والرفض الدولي من جهة أخرى،وكان النصر السياسي أضخم من حجمه العسكري لقد أعلنت مصر أنها قادرة على أن تقول "لا" في وجه الكبار، وأن تصنع إرادتها بقرار سيادي مستقل.

 مسار التاريخ لا يسير في خط مستقيم. ففي يونيو 1967 وقعت الهزيمة القاسية  ستة أيام كانت كافية لتكشف هشاشة البنية ، والخلل ،وتفتح جرحًا غائرًا في وجدان الأمة.

هنا يعود السؤال الفضولي كيف تنهض مصر من تحت ركام الهزيمة؟ هل يمكن لشعب أن يستعيد ثقته بنفسه بعد أن اهتزّت صورة  من كان رمزًا للوطنية؟

الجواب جاء فيما عرف بحرب الاستنزاف (1968–1970). لم تكن معركة حاسمة، لكنها كانت مدرسة يومًا بعد يوم، اشتبكت القوات المصرية مع العدو، لتستعيد الأرض والروح معًا.

الثقة كانت تعود شيئًا فشيئًا. الشعب وقف خلف جيشه، والقيادة أعادت بناء المؤسسة العسكرية من الصفر تقريبًا، كان الطريق طويلًا، لكنه كان يمهّد للحظة فاصلة ستغيّر وجه التاريخ.

وجاءت اللحظة، في السادس من أكتوبر 1973، عبرت القوات المصرية قناة السويس، وحطمت خط بارليف الذي قيل إنه لا يُقهر، لم تكن الحرب مجرد نصر عسكري، بل كانت استعادة للكرامة الوطنية.

المشهد الذي سيظل محفورًا في الذاكرة جنود يرفعون العلم على الضفة الشرقية، وشعب بأكمله يبكي فرحا، وقيادة تصنع معجزة عسكرية بشهادة العالم.

كانت تلك المحطة ذروة الإرادة المصرية بعد ست سنوات من الانكسار، تحقق العبور، لتثبت مصر أنها لا تُهزم مادامت تملك العزيمة.

بعد الحرب، واجهت مصر تحديًا جديدًا: كيف تحول النصر العسكري إلى مكاسب سياسية واقتصادية؟ الرئيس أنور السادات اختار طريق الانفتاح والسلام،وقع اتفاقية كامب ديفيد، مثيرة جدلًا داخليًا وعربيًا، لكنها عكست براجماتية سياسية  مصر لا يمكن أن تعيش في حالة حرب دائمة.

تم نسخ الرابط