لبنان على خط النار | هل تتحول بيروت إلى “غزة جديدة”؟ خبراء يجيبون
في ظل التصعيد العسكري غير المسبوق، عادت الضربات الإسرائيلية العنيفة لتستهدف مناطق واسعة في لبنان، وعلى رأسها الضاحية الجنوبية لبيروت، ما أعاد إلى الأذهان مشاهد الدمار التي شهدها قطاع غزة خلال الأشهر الماضية.
الضربات العنيفة على لبنان
هذا التصعيد يطرح تساؤلات ملحة حول طبيعة المرحلة المقبلة، وإلى أي مدى يمكن أن تنزلق العاصمة اللبنانية إلى سيناريو مشابه، في ظل استمرار المواجهات مع حزب الله وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية.
هل تتحول بيروت لغزة جديدة؟
وبين المخاوف من اتساع رقعة الدمار، والتقديرات التي تشير إلى اختلاف طبيعة الأهداف العسكرية، يبقى السؤال الأبرز: هل تتحول بيروت إلى “غزة جديدة”، أم أن المشهد لا يزال محكومًا بحسابات أكثر تعقيدًا تفرض حدودًا لهذا التصعيد؟.

أكد الدكتور محمد مجاهد الزيات، الخبير الاستراتيجي والمستشار الأكاديمي للمركز المصري للفكر والدراسات، أن الحديث عن تحول بيروت إلى نموذج مماثل لغزة «غير دقيق»، موضحًا أن طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية تختلف في أهدافها ونطاقها داخل لبنان.
استهداف البنية التحتية العسكرية لحزب الله
وأوضح الزيات، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن الضربات الإسرائيلية تتركز بشكل أساسي على البنية التحتية العسكرية والتنظيمية التابعة لـ«حزب الله»، مشيرًا إلى أن السلاح الرئيسي للحزب لا يتمركز داخل بيروت نفسها، وإنما يمتد في نطاق جغرافي يبدأ من الجنوب اللبناني وصولًا إلى الضاحية الجنوبية.
وأضاف الخبير الاستراتيجي أن ما يتم استهدافه داخل بيروت يقتصر على مقرات وقيادات ومؤسسات تابعة للحزب، خاصة في الضاحية الجنوبية التي تُعد معقلًا رئيسيًا له، وهو ما يفسر تركّز الضربات في هذه المنطقة دون تعميمها على كامل العاصمة.
معركة بنت جبيل هي نقطة التحول
وأشار الزيات إلى أن المعركة الدائرة حاليًا في مدينة «بنت جبيل» تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية، نظرًا لأهميتها الجغرافية وتحكمها في طرق الربط بين الجنوب اللبناني والعاصمة بيروت، وأن إصرار إسرائيل على السيطرة على هذه المنطقة يعكس سعيها لإضعاف القدرات الميدانية لـ«حزب الله» وقطع خطوط إمداده، مؤكدًا أن حسم هذه المعركة قد يغيّر موازين القوى على الأرض بشكل كبير.

ضغوط على الدولة اللبنانية
وفيما يتعلق بالموقف الداخلي، لفت الخبير الاستراتيجي إلى أن الحكومة اللبنانية تواجه ضغوطًا متزايدة، سواء من الجانب الإسرائيلي أو من القوى الدولية، لدفع «حزب الله» نحو تسليم سلاحه وفرض سيطرة الدولة الكاملة، موضحًا أن هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة داخلية محتملة بين الدولة والحزب، خاصة في ظل تمسك «حزب الله» بدوره كجزء من المعادلة السياسية والعسكرية في لبنان.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
وأشار الزيات إلى أن استمرار الضربات الإسرائيلية، مع عجز الحكومة اللبنانية عن فرض سيطرتها الكاملة، قد يؤدي إلى تصعيد عسكري متواصل بين إسرائيل و«حزب الله»، لكنه استبعد في الوقت ذاته سيناريو تدمير شامل لبيروت على غرار ما حدث في غزة، مؤكدًا على أن مستقبل الوضع في لبنان سيظل مرهونًا بقدرة الدولة على فرض سيادتها، وبمآلات الصراع الإقليمي الأوسع، خاصة في ظل تداخل العوامل الدولية والإقليمية في المشهد اللبناني.
قال الدكتور مختار غباشي، أمين عام مركز الفارابي للدراسات السياسية، إن ما تعرض له لبنان مؤخرًا لا يمكن مقارنته بما يحدث في غزة، مؤكدًا أن سيناريو تحول لبنان إلى غزة أمر مستبعد تمامًا، لكن الضربة الإسرائيلية التي وقعت جاءت قاسية وغير مسبوقة منذ عام 1982.
حزب الله يكشل مصدر إزعاج كبير لإسرائيل
وأوضح غباشي، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن الضربة جاءت في عمق بيروت، وبدا أنها بمثابة رد فعل غاضب أو ما يمكن وصفه بضربة انتقامية، خاصة بعد أن شكل حزب الله مصدر إزعاج كبير لإسرائيل، التي لم تكن تتوقع امتلاكه هذه القدرات العسكرية.
خلافات التفاوض ومحاولات فصل الساحات
وأشار إلى أن المفاوضات كشفت عن إصرار إيراني على إدراج الساحة اللبنانية ضمن أي اتفاق، في مقابل محاولات أمريكية وإسرائيلية للفصل بين بيروت والضاحية الجنوبية، وهو ما يعكس حالة من المناورة السياسية داخل مسار التفاوض.

وأضاف أمين عام مركز الفارابي للدراسات السياسية، أن هذا التوجه يأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك ما يُعرف بوحدة الساحات، من خلال إبعاد لبنان عن التأثير الإيراني، وكذلك محاولات مماثلة تجاه أطراف إقليمية أخرى.
مفاوضات ثلاثية قد تحمل مخاطر داخلية
وكشف غباشي مفاوضات الجانبين اللبناني والإسرائيلي لا تعني بالضرورة إنقاذ لبنان، بل قد تفتح الباب أمام تعقيدات جديدة، مشيرًا إلى أن أي اتجاه نحو التطبيع أو اتفاقات سياسية قد يخلق انقسامًا حادًا داخل لبنان، خاصة أن حزب الله يمثل جزءًا أساسيًا من المعادلة السياسية والعسكرية ولا يمكن تجاهله.
إسرائيل تسعى لعزل لبنان عن إيران
وأكد أمين عام مركز الفارابي للدراسات السياسية، أن الهدف الاستراتيجي لإسرائيل والولايات المتحدة يتمثل في فصل لبنان عن إيران، وكسر الترابط بين جبهات المنطقة، وهو ما تعتبره تل أبيب تهديدًا مباشرًا لأمنها خلال الفترة الماضية.
وأضاف غباشي، إذا نجحت المفاوضات في تحقيق هذا الهدف، فإن إسرائيل والولايات المتحدة ستدفعان بقوة نحو اتفاق يُرضي الدولة اللبنانية ظاهريًا، لكنه يخدم في جوهره إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، مؤكدًا أن لبنان يقف حاليًا أمام مفترق طرق، فإما أن تنجح المسارات السياسية في احتواء التصعيد، أو أن تؤدي هذه التحركات إلى انفجار داخلي نتيجة تضارب المصالح والتوازنات الحساسة داخل الدولة.