بولي ماركت.. كازينو عالمي يراهن على الحروب والكوارث الإنسانية
كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة الجارديان البريطانية أن منصة بولي ماركت للتنبؤ بالأحداث تحولت إلى سوق مالي ضخم يراهن فيه المستخدمون بملايين الدولارات على مآلات الحروب والكوارث الإنسانية حول العالم، في ظاهرة باتت تثير قلقا متصاعدا لدى الباحثين والمحللين والمؤسسات المالية الكبرى على حد سواء، وتطرح تساؤلات جوهرية حول الحدود الأخلاقية لأسواق التنبؤ في عالم تتشابك فيه المصالح المالية مع المآسي الإنسانية.
لم تكن بولي ماركت في بداياتها سوى منصة إلكترونية متواضعة تتيح للمستخدمين المراهنة على نتائج الانتخابات والأحداث السياسية الكبرى، غير أن المشهد تبدل جذريا خلال فترة وجيزة، إذ رصد التحقيق نموا متسارعا غير مسبوق في حجم تداولاتها اليومية.

كيف أصبح الموت سلعة في البورصة الرقمية؟
في يوليو 2024، كان حجم التداول اليومي يبلغ نحو 400 مليون دولار، وهو رقم بدا ضخما في حينه، غير أن المنصة لم تلبث أن تجاوزت هذا السقف بفارق كبير، حتى باتت قادرة على تداول الرقم ذاته في يوم واحد فقط، مما يجعلها اليوم قوة اقتصادية حقيقية يصعب على المؤسسات المالية والسياسية تجاهل تأثيرها أو التهاون في مراقبتها.
الأخطر من حجم النمو هو طبيعة ما باتت المنصة تتداوله، فبحسب التحقيق، لم يعد المقامرون يكتفون بالرهان على نتائج الانتخابات أو أسعار النفط أو نتائج المباريات الرياضية، بل امتدت رهاناتهم لتطال أدق تفاصيل الصراعات المسلحة والكوارث الإنسانية.
يراهن المستخدمون اليوم على مواعيد الغارات الجوية وأماكنها، وعلى احتمالات سقوط الأنظمة، وعلى توقيت ضرب المنشآت النفطية، وعلى تفاصيل عمليات عسكرية لم تعلن بعد، في مشهد وصفته كاتبة التحقيق بأنه حوّل الموت والدمار إلى سلعة قابلة للتداول، مؤكدة أن المراهنين باتوا يترقبون الكوارث بشغف المستثمر الطامح للربح لا بتعاطف المراقب المتألم.

تهديد الصحفيين.. حين يصبح الخبر رهينة المال
لم يقف الأمر عند حدود المراقبة والمراهنة السلبية، فقد وثق التحقيق ما هو أشد خطورة، حيث رصدت الجارديان حوادث موثقة قام فيها مراهنون بتهديد صحفيين ميدانيين عاملين في مناطق النزاع، مطالبين إياهم بتعديل تقاريرهم الإخبارية أو تغيير صياغتها بما يخدم رهاناتهم المالية.
والسبب في ذلك بسيط ومرعب بحسب التحقيق، فكلمة واحدة في تقرير إخباري، أو توصيف مغاير لحدث ما، قد تعني الفارق بين ربح أو خسارة تبلغ مئات الآلاف من الدولارات، وهو ما يعني عمليا أن استقلالية الصحافة الميدانية باتت مهددة بضغوط من نوع جديد كليا، لا تأتي هذه المرة من حكومات أو أجهزة استخبارات، بل من مقامرين يجلسون خلف شاشاتهم في أرجاء متفرقة من العالم.

المصارف الدولية تستشهد بتوقعاتها
ما يزيد المشهد تعقيدا أن المنصة لم تعد مجرد ملعب للمقامرين الأفراد، بل تسللت تأثيراتها إلى أعلى مستويات المنظومة المالية العالمية.
رصد التحقيق أن مؤسسات مالية كبرى ومصارف دولية بارزة باتت تستشهد بتوقعات بولي ماركت واحتمالاتها في نشراتها التحليلية الرسمية الموجهة للمستثمرين وصانعي القرار، وهو ما يعني أن بيانات مستقاة من سوق رهانات خاضعة للتلاعب والتوجيه باتت تتسلل إلى قلب منظومة صنع القرار الاقتصادي العالمي، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات مقلقة لتوظيف المنصة أداةً للتأثير في الأسواق المالية الدولية.

مليون دولار من رهانات على حرب غير معلنة
وضرب التحقيق مثلا صارخا يلخص الصورة كاملة، فمتداول واحد تمكن من تحقيق أرباح تقترب من مليون دولار منذ عام 2024، عبر عشرات الرهانات التي تنبأت بدقة لافتة للنظر بتفاصيل عمليات عسكرية أمريكية وإسرائيلية في سياق الحرب على إيران.
وبلغت نسبة إصابة هذا المتداول 93 بالمئة في رهاناته التي تجاوزت قيمة كل منها خمسة أرقام، والأكثر إثارة للقلق أن تلك العمليات التي راهن عليها كانت غير معلنة وقت وضع الرهانات، مما يطرح تساؤلات جدية لم يجب عنها التحقيق بشكل قاطع حول مصادر هذه المعلومات وطبيعة الوصول إليها.



