خبيرة إعلامية: مبادرة سند لـ «نيوز رووم» تنقل الإعلام من دور المرآة إلى الجسر
في وقت تتزايد فيه الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية على الأفراد، وتتصاعد فيه مؤشرات القلق والاكتئاب والتوتر وخاصة بين الأطفال والمراهقين والشباب، تبرز مبادرة "سند" التي أطلقها موقع "نيوز رووم" كأحد التحركات الإعلامية والمجتمعية لتقديم دعم نفسي عاجل للأشخاص الذين يمرون بأزمات حادة، في محاولة لمد جسر بين المعاناة والصمت من جهة، وبين الدعم والمساندة من جهة أخرى، مؤكدين على أن "الحديث قد ينقذ حياة".
مبادرة "سند".. دعم إنساني يعيد تعريف طلب المساعدة النفسية
وصفت الدكتورة دعاء حامد الغوابي حلمي- الخبير الإعلامي بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار- مبادرة "سند" بأنها تعكس وعي حقيقي بدور الإعلام المجتمعي واهتمامه بالقضايا الإنسانية والنفسية الحساسة، وأن هذه المبادرة ليست مجرد خطوة إعلامية تقليدية، بل يمثل جهدًا توعويًا يفتح المجال أمام نقاش حقيقي حول قضايا إنسانية حساسة، ويعيد وضعها في دائرة الاهتمام العام بشكل مستمر، وليس فقط في لحظات الأزمات.
وأوضحت أهمية فكرة المبادرة التي تؤكد على الدعم الإنساني الذي يحتاجه الفرد حين يفقد القدرة على المواجهة بمفرده، وتنبع أهمية المبادرة في توقيت انطلاقها حيث تزايد حجم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وتغير أنماط العلاقات الاجتماعية، واتساع الفجوة بين الأفراد ومصادر الدعم التقليدية مثل الأسرة والمجتمع المحلي، وهذه التحولات جعلت كثيرًا من الأفراد يواجهون أزماتهم في عزلة، وهو ما يضاعف من خطورة الحالات النفسية غير المكتشفة أو غير المعالجة.
ولا تقتصر أهمية المبادرة على تأكيد حق الدعم المباشر، بل تمتد إلى محاولة مواجهة أحد أكثر العوائق تعقيدًا في مجال الصحة النفسية في المجتمعات العربية، وهو "وصمة العار" المرتبطة بطلب المساعدة النفسية، فما يزال كثير من الأفراد يترددون في الاعتراف بمعاناتهم النفسية خوفًا من الحكم الاجتماعي أو التصنيف السلبي، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة لتفاقم الأعراض دون تدخل مهني مبكر، ومن هنا جاءت أهمية المبادرة في أنها تعيد تعريف فكرة "طلب المساعدة" باعتبارها "قوة" وليس "ضعفًا" أو "وصمة عار".
الإعلام بين التوعية والإثارة.. مبادرة "سند" تعيد رسم دور التغطية النفسية
أكدت الدكتورة دعاء حامد الغوابي حلمي على أن المبادرة تعكس تحولًا مهمًا في دور الإعلام من مجرد ناقل للأخبار أو الأحداث إلى فاعل اجتماعي يشارك في تقديم الحلول، فالتعامل مع قضايا الصحة النفسية، خصوصًا المرتبطة بالانتحار، لم يعد يُنظر إليه باعتباره تغطية خبرية فقط، بل مسؤولية أخلاقية تتطلب وعيًا مهنيًا عاليًا، وهو ما تمثله مبادرة "سند" كتطبيق عملي.
وفي هذا السياق، توضح أن هذه المبادرة تتقاطع مع توجهات عالمية تؤكد على أهمية دمج الرسائل التوعوية وخطوط الدعم النفسي داخل المحتوى الإعلامي، بدلًا من الاكتفاء بسرد الوقائع الصادمة، مؤكدة على أن تناول وسائل الإعلام للقضايا النفسية وتحديدًا الانتحار يمثل "سلاحًا ذا حدين"، إذ يمكن أن يسهم في رفع الوعي إذا تم وفق معايير مهنية دقيقة، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى نتائج عكسية إذا انزلق نحو الإثارة أو التفاصيل الصادمة، حيث أن الإعلام اليوم يعد واحد من أهم العوامل المؤثرة في تشكيل الوعي وخاصة نحو القضايا الشائكة.
وأوضحت أن تركيز بعض التغطيات الإعلامية على الجانب الإخباري المثير يخلق "تطبيعًا غير مقصود" مع الفكرة لدى الفئات الأكثر هشاشة، مؤكدة على أن جوهر المعالجة الإعلامية ينبغي أن يكون توعويًا لا استعراضيًا، فبعض التغطيات الصحفية تركّز على نقل تفاصيل الحوادث أو الظواهر المجتمعية الغريبة بتوظيف عناوين مثيرة ولافتة دون أن يكون الهدف تحقيق التوعية وتحملها المسئولية الإعلامية.
كما أكدت على قوة الإعلام المرئي والدراما تحديدًا حيث تزيد من حساسية التأثير، فالبرامج الحوارية مثلًا تمكنت من فتح الملفات المسكوت عنها ومناقشتها، وهذا أمر هام، لكن للأسف بعضهم يتعامل مع الموضوع بشكل موسمي أو بشكل يميل للإثارة بدلًا من تقديم فهم أعمق، كما أن بعض الأعمال الدرامية تقدّم مشاهد أو معالجات يمكن أن يساء فهمها من قبل الفئات الأكثر حساسية، مما يستدعي وجود إرشادات مهنية واضحة لضبط طريقة عرض القضايا النفسية، بحيث لا تتحول الرسالة الإعلامية أو الدرامية إلى عامل ضغط إضافي بدلًا من أن تكون وسيلة دعم.
"سند".. من مبادرة إعلامية إلى ضرورة مجتمعية: كيف يتحول الدعم النفسي من رد فعل إلى حضور دائم؟
أوضحت الدكتورة دعاء حامد أنه بالرغم من وجود عدد من المبادرات ومراكز الدعم النفسي وخطوط المساعدة بالفعل، فإن الإشكالية لا تكمن في غياب هذه الخدمات بقدر ما ترتبط بضعف حضورها في الوعي اليومي العام للجمهور، إذ غالبًا ما تبقى هذه الجهود "نشطة في الخلفية"، ولا تظهر إلا عند وقوع حدث صادم أو تداول حالة انتحار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتحول إلى موضوع نقاش مؤقت أو تفاعل لحظي سرعان ما يتلاشى.
وهذا الواقع يكشف عن مجموعة من التحديات، أبرزها ضعف دمج هذه المبادرات في الخطاب الإعلامي اليومي، مما يجعلها غير معروفة وظيفيًا لدى الجمهور، إلى جانب كون التفاعل معها موسميًا وانفعاليًا أكثر منه تراكميًا ومستدامًا، كما تظهر فجوة واضحة بين توفر الخدمة فعليًا وبين معرفة الجمهور بها أو ثقته فيها أو حتى تذكرها في اللحظات الحرجة.
ومن هنا، لا يبدو الحل في زيادة عدد المبادرات، بقدر ما يكمن في إعادة التفكير في كيفية إدارتها إعلاميًا ومجتمعيًا، فالمطلوب هو الانتقال من منطق "رد الفعل" إلى "الحضور الدائم" وتفاعل واعي عبر إدماج هذه المبادرات في المحتوى الإعلامي بشكل مستمر، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات توعية يومية، وليس فقط منصات استجابة للأزمات، واقترح أن تستمر المبادرة مستمرة في تفاعلها مع هذه النوعية من القضايا الحساسية وأن تفتح بعمق الملفات المرتبطة بقضايا الصحة النفسية.
وأكدت على أنه لكي يتم تعزيز فاعلية هذه المبادرات يتطلب العمل على تبسيط سبل الوصول إليها، عبر توفير وسائل اتصال واضحة مثل أرقام مختصرة وصفحات موثقة، إلى جانب تقديم رسائل موجزة وسهلة التذكّر بدلًا من المعلومات المعقدة أو المبعثرة، كما تبرز أهمية بناء تعاون مؤسسي مستدام بين وسائل الإعلام وهذه المبادرات، عبر إنتاج برامج وحوارات ومحتوى دوري يعرّف الجمهور بالخدمات المتاحة وآليات الاستفادة منها قبل وقوع الأزمات.
وفي الإطار نفسه، يصبح من الضروري ترسيخ ما يمكن تسميته بـ "الذاكرة الاجتماعية" لهذه المبادرات، بحيث تتحول إلى جزء من الوعي الجمعي، يلجأ إليها الأفراد تلقائيًا في أوقات الضغط، تمامًا كما يتجهون إلى المستشفيات عند الحاجة الصحية، لا أن يكتشفوها فقط في لحظات الأزمات.
ومما سبق يمكن القول أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص الحلول بقدر ما يتمثل في غيابها عن الوعي اليومي للجمهور، فالمشكلة ليست في وجود المبادرات أو خدمات الدعم، وإنما في أنها لا تحظى بحضور مستمر يجعلها جزءًا من الذاكرة الاجتماعية للأفراد، وحين تتحول هذه المبادرات من ظهور موسمي مرتبط بالأزمات إلى حضور دائم يصبح تأثيرها أكثر عمقًا، ويتحوّل دورها من مجرد الاستجابة بعد وقوع الأزمة إلى أداة وقائية تسبقها وتحدّ من آثارها.
وفي النهاية أكدت الدكتورة دعاء حامد على أن مبادرة "سند" تمثل خطوة مهمة نحو إعادة تعريف دور الإعلام، من ناقل للأحداث إلى فاعل مجتمعي يسهم في تقديم حلول وبناء وعي مستدام، لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلًا أوسع حول مدى قدرة المبادرات الفردية على إحداث تأثير حقيقي في ظل غياب منظومة متكاملة تقوم على التربية الإعلامية، والتعاون المؤسسي، والتغطية المهنية المسؤولة، بما يضمن استدامة الأثر وتوسيع نطاقه داخل المجتمع.



