عاجل

 

​في عالمنا المعاصر، لم يعد مفهوم الأمن مقتصرًا على وجود رجل شرطة عند ناصية الشارع أو كاميرا مراقبة في زاوية المبنى  فالجريمة ليست مجرد "فعل" يعاقب عليه القانون، بل هي في الغالب "عرض" لمرض أعمق جذوره تكمن في انعدام الأمن النفسي.
​فأصبحنا نطالع كل يوم واقعة انتحار ؛ انهاء للحياة بسبب الضغوط ؛ المشاكل ؛ القهر ؛ الظلم ؛ الهجر؛ الفقر ....الخ من الأسباب التي تجعل الإنسان ضحية ومجرماً في ذات الوقت ، فكم كثرت هذه الأخبار المفزعة التي نطالعها من حينٍ لأخر ، والسبب واحد او متقارب او متجانس ، فمن خلال مطالعتي للعديد من القضايا التي انتشرت في الفترة الماضية استخلصت نتيجة مؤداها أن الضحية تراكمت عليه الضغوط إلي أن أصبح هشاً ، ضعيفاً ، لا يستطيع بل لايقوى علي المواجهة أو حل ما حل به ، فيختار الخلاص أو التخلص من نفسه وفي بعض القضايا يتعدى الأمر الي التخلص من باقي أسرته وكأنه يمنحهم تذكرة للهروب من المستقبل .
والحقيقة ، أن المشرع مهما تقدم لن يقوى علي مجابهة كل الظواهر الإجرامية بتفريد تشريعات وعقوبات وتدابير  ، كما أن الأجهزة والمؤسسات مهما تقدمت لن تستطيع حل مشاكل جميع  الأفراد بالمجتمعات فرداً فرداً ، ولكن هناك تجارب لبعض
​الدول التي جعلت من "النفس" ملفًا أمنيًا
و​تجاوزت بذلك  الأساليب التقليدية في مكافحة الجريمة، وأنشأت أجهزة  واعتمدت استراتيجيات دمج بين  العمل الأمني والبحث السلوكي، ومن أبرز هذه النماذج:
​1. دولة النرويج ، والتي تعتمد فلسفة "الأنسنة" في الأمن حيث يتعامل الجهاز الأمني هناك مع المجرمين من منظور نفسي بحت ، تمتلك النرويج نظامًا يركز على إعادة التأهيل بدلاً من العقاب ،تبحث الأجهزة الأمنية في الدوافع النفسية والظروف الاجتماعية التي أدت للفعل الإجرامي، وتعمل على علاجها لمنع العودة للجريمة، وإن كانت النرويج لها الريادة في فلسفة الأنسنة، فهذه الفلسفة تكون فاعلة في جرائم معينة وفي حالة ثنائية اشخاص الجريمة(مجرم _ مجني عليه) اما في حالة كون المجرم هو ذاته المجني عليه كما في حالات الانتحار فلن تجدى فلسفة الأنسنة او غيرها .
​2. دولة سنغافورة:  والتي تتبني فكرة "الفريق المنزلي" والتماسك الاجتماعي" والذي يجمع بين الشرطة والاستخبارات والبحث الاجتماعي و يقوم هذا الجهاز بدراسة التغيرات السلوكية في المجتمع، ويستثمر بقوة في برامج الحد من الأمراض النفسية والاضطرابات السلوكية كخطوة استباقية لمنع الجريمة قبل وقوعها، بحجة أن الاستقرار النفسي للمواطن هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي.
​3. دول الإمارات العربية المتحدة: والتي تعتمد علي جودة الحياة كدرع أمني،وبموجبه تتبني  مفهوم "جودة الحياة" و"الأمن المجتمعي" ،فالشرطة المجتمعية هناك لا تبحث فقط عن الجناة، بل تعمل من خلال مراكز الدعم النفسي التابعة لوزارة الداخلية على احتواء المشكلات الأسرية والنفسية قبل أن تتطور إلى سلوك إجرامي.
ومن وجهة نظر شخصية معتدلة ، فإنني أرى أن الشخص المضطرب نفسياً خطراً علي الأمن الإجتماعي ، وأن الشخص السوي نفسيًا هو شريكاً في ذلك الأمن .
ولكن كيف نواجه ؟ كيف نحاكي ١٠٠ ألف نموذج ، او اكثر ؟ كيف نكتشف الدوافع النفسية والتي في الأعم الأغلب هي عبارة عن مشاكل او دوافع فردية داخل جدران مغلقة ؟ ماهي آليات التنبؤ الاستباقي في فهم دوافع عامة مثل الفقر أو الإضطرابات الشخصية ؟ ماهو دور  الجهات من مؤسسات وأجهزة ومستشفيات ومدارس وجامعات وخلافه في اكتشاف حالات الإضطرابات الشخصية؟ هل سنحتاج في القريب العاجل لدور الأخصائي النفسي في كل جهة او مصلحة لبحث او اكتشاف مشاكل الناس ؟ هل جميع الهموم من الممكن أن تتحول الي اضطرابات شخصية قد ينتج عنها جرائم فردية ؟ هل سيتم تدريس مادة الأمن النفسي أو الأمن السلوكي للأطفال منذ الصغر لخلق جيل قادر علي حل مشاكله ومواجهتها دون الإنسياق وراء الضعف والإستسلام ؟
​كيف يحد البحث في الدوافع من الأمراض النفسية؟
​كل هذه التساؤلات هي مجرد اجتهاد شخصي ، ولدى المتخصصين والخبراء رؤى اوضح واكثر عمقاً من مجرد قارئ او هاوٍ ، ولكن  في النهاية، أرى أن الأمن الحقيقي ليس في غياب المخاطر، بل في حضور الطمأنينة داخل كل فرد من افراد المجتمع .

تم نسخ الرابط