مفاوضات واشنطن وطهران بين مطرقة النفوذ وسندان المصالح.. (تقرير)
مفاوضات إيران وأمريكا، بعد أنباء عن فشل المفاوضات الإيرانية الأمريكية في إسلام آباد، تتجه الأنظار إلى طبيعة المرحلة المقبلة، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة مقبلة على مواجهة عسكرية جديدة أم جولة تفاوض أكثر تعقيدًا.
المفاوضات الإيرانية الأمريكية
فبعد تعثر المسارات الدبلوماسية، تبرز عدة سيناريوهات محتملة تتراوح بين التصعيد العسكري المحدود، أو التوصل إلى اتفاق مرحلي يخفف حدة التوتر، وصولًا إلى سيناريو “التفاوض تحت الضغط” الذي يجمع بين القوة والسياسة.
وبين هذه الخيارات، يبقى المشهد مفتوحًا على كافة الاحتمالات، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية، ووجود أطراف تسعى للتهدئة وأخرى قد تستفيد من استمرار الصراع.
ومن جانبه أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن ما حدث في إسلام آباد لا يمكن وصفه بفشل المفاوضات، حيث لم يعلن أي من الطرفين توقفها، بل تم الإعلان فقط عن عدم التوصل إلى اتفاق، مشيرًا إلى أن هذا يعني أن باب التفاوض لا يزال مفتوحًا، وقد نشهد خلال الأيام المقبلة مسارًا جديدًا لاستكمال المباحثات.
وساطة ثلاثية محتملة لتعزيز فرص الاتفاق
وأوضح فهمي، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن الوساطة الباكستانية قد تشهد تطورًا خلال المرحلة المقبلة، من خلال توسيعها لتصبح وساطة ثلاثية تضم أطرافًا إقليمية مثل مصر وتركيا، بهدف تعزيز فرص الوصول إلى اتفاق، لافتًا إلى أن إعادة تقييم دور الوسيط قد تكون ضرورية، خاصة أن الملفات المعقدة لا يمكن حسمها في جولة واحدة أو خلال وقت قصير.
سيناريو الاتفاق المرحلي يفرض نفسه
ولفت إلى أن أحد أبرز السيناريوهات المطروحة هو التوصل إلى اتفاق مرحلي أو تدريجي، يتضمن وقف إطلاق النار واستمرار التفاوض على القضايا الخلافية، كاشفًا أن هذا السيناريو قد يشمل:
فتح مضيق هرمز بضمانات دولية
رفع تدريجي للعقوبات
تقديم تعويضات محدودة
إبداء إيران نوايا إيجابية بشأن ملف التخصيب
مفاوضات تحت الضغط العسكري
وأكد أستاذ العلوم السياسية، أن مثل هذا الاتفاق يحتاج إلى ضمانات قوية لضمان استمراره وعدم انهياره، مشيرًا إلى أن سيناريو آخر يتمثل في استمرار المفاوضات بالتوازي مع ضغوط عسكرية محدودة من جانب الولايات المتحدة، بهدف التأكيد على قدرتها على الرد دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
أطراف مستفيدة وأخرى متضررة
وأضاف فهمي، أن هذا النمط من التفاوض تحت الضغط قد يدفع الأطراف إلى تقديم تنازلات تدريجية دون كسر حالة التوازن القائمة، أن هناك قوى دولية قد لا ترحب بإتمام الاتفاق، مثل بعض الأطراف التي تستفيد من استمرار التوتر، وعلى رأسها روسيا والصين في ملف الطاقة، مشيرًا إلى أن الدول الأكثر تأثرًا بعدم الاستقرار هي دول الخليج، خاصة مع ارتباط الأزمة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، رغم وجود بدائل جزئية لحركة التجارة.
لا حصار بحري شامل على إيران
وفيما يتعلق بالحديث عن فرض حصار بحري على إيران، شدد فهمي على أن هذا السيناريو غير واقعي في الوقت الحالي، لأن تطبيقه يتعارض مع قواعد الملاحة الدولية، وما يحدث هو مجرد إجراءات تحذيرية وليس حصارًا فعليًا، مؤكدًا أن المنطقة تمر بمرحلة انتقالية شديدة الحساسية، حيث تتحرك كافة الأطراف بحذر شديد، في ظل توازنات معقدة تجعل من الصعب حسم الصراع سريعًا.
وفي ذات السياق قال الدكتور مختار غباشي، الباحث في الشؤون الإيرانية، إن ما جرى لا يمكن اعتباره جولة تفاوض حقيقية مكتملة الأركان، بل جاء في إطار ترتيب سريع وعلى عجل، دون توافر مقومات التفاوض العميق.
إيران تتمسك بالورقة الذهبية
وأوضح غباشي، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن كل طرف دخل المفاوضات وهو متمسك بخطوط حمراء واضحة، فالولايات المتحدة ذهبت بأهداف لم تنجح في تحقيقها خلال الحرب، بينما تمتلك إيران أوراق ضغط قوية ترفض التنازل عنها، مشيرًا إلى أن إيران تتمسك بما وصفه بالورقة الذهبية، وهي مضيق هرمز، باعتباره أحد أهم أدوات الضغط الاستراتيجي، ولن تتخلى عنه إلا في إطار حل شامل ونهائي مع واشنطن".
وأضاف الباحث في الشؤون الإيرانية، أن حق التخصيب يمثل نقطة خلاف جوهرية، حيث ترفض إيران التخلي عنه، كما ترفض تسليم اليورانيوم المخصب، في حين تتمسك الولايات المتحدة بوقف التخصيب، وهو ما يخلق فجوة تفاوضية واسعة بين الطرفين.
إيران في موقع قوة تفاوضية
وأكد غباشي، أن إيران تعد الطرف الأقوى في هذه المرحلة التفاوضية، إذ ترى نفسها خرجت من الحرب دون خسارة أهدافها الاستراتيجية، في مقابل فشل واشنطن في إسقاط النظام أو إنهاء البرنامج النووي والصاروخي، مؤكدًا أن الواقع يعكس توازنًا في الضربات بين الطرفين، لكن إيران نجحت في امتصاص الهجوم والحفاظ على قدراتها الأساسية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
وحول السيناريوهات المحتملة، أوضح غباشي، أن الحديث عن فرض حصار بحري أمريكي مطروح، لكنه يظل خيارًا معقدًا وصعب التنفيذ، لافتًا إلى أن "هناك تحركات لعقد جولات تفاوض جديدة بوساطة باكستانية، مؤكدًا أن مثل هذه الملفات الكبرى تحتاج إلى وقت طويل، كما حدث في الاتفاق النووي السابق الذي استغرق سنوات من التفاوض.
ولفت إلى أن "فرص دخول وسطاء جدد تبدو محدودة، في ظل وجود أطراف دولية محسوبة بالفعل على المشهد مثل الصين وروسيا، إلى جانب أدوار إقليمية".
وأضاف أن "التوازنات الدولية الحالية تجعل المشهد أكثر تعقيدًا، خاصة مع دعم بعض القوى الكبرى لإيران في هذا التوقيت".
الهدنة ليست نهاية الصراع
وشدد غباشي، على أن الهدنة الحالية لا تعني نهاية الصراع، بل هي مرحلة مؤقتة قد تعقبها جولات جديدة من التفاوض أو حتى التصعيد.
وأوضح الباحث في الشؤون الإيرانية، أن كلا الطرفين لا يرغب في استئناف الحرب بشكل مباشر في الوقت الحالي، لكن استمرار الخلافات الجوهرية يجعل احتمالات التصعيد قائمة، مؤكدًا على أن "المشهد لا يزال مفتوحًا على جميع السيناريوهات، بين استكمال المفاوضات أو العودة إلى التصعيد، في ظل فجوة كبيرة في المواقف وصعوبة الوصول إلى تسوية سريعة".