إنه الاقتصاد يا غبي ، هي عبارة في السياسة الأمريكية استخدمت على نطاق واسع خلال الحملة الانتخابية الناجحة لبيل كلينتون ضد جورج بوش الأب عام 1992. لبعض من الوقت، اعتبر بوش المرشح الأقوى بسبب خبرته السياسية كرئيسا لأمريكا ومعاصرته تطورات سياسية خارجية مثل انتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج العربي. اكتبست العبارة شعبيتها من جيمس كارفيل - استراتيجي في حملة كلينتون - وتوحي إلى أن كلينتون هو الخيار الأفضل لرئاسة أمريكا لأن بوش لم يهتم بالاقتصاد اهتماما كافيا حيث شهد الاقتصاد الأمريكي موجة من الكساد. ترامب أكد في حملته الانتخابية انه سيعيد امريكا قوية مجددا و لن يدخل حروب و سيحسن الاقتصاد الامريكي ،و لكنه الآن بعد تقريبا عام لم يستطع الالتزام باى من وعوده و مهما ادعي انه كسب الحرب ضد إيران فقد خسر داخل شعبه لان الاقتصاد لم يتحسن و صرف مليارات علي الحرب بدون تحقيق أهدافه من الاستيلاء علي النفط الإيراني و علي مضيق هرمز ،
و أثبتت تلك الحرب ان من معه أوراق أكبر للضغط ليس فقط علي من يحاربه و لكن ايضا علي العالم كله هو من يستطيع تحقق مكاسب أكبر، خاصة لو كانت تلك الضغوط اقتصادية و تكنولوحية ، إيران بدات الضغوط علي دول الخليج لإقناع امريكا بإيقاف الهجمات عليها ،فلم تحقق تلك الخطوة أهدافها، فأغلقت إيران مضيق هرمز الا للسفن التي تريد لها أن تمر و هددت بإغلاق باب المندب عن طريق الحوثيين فبدأت الضغوط الدولية علي امريكا لان إيقاف سلاسل الأغذية و النفط سيؤثر علي اقتصاد العالم كله، و ادت تهديدات ترامب باعاده ايران الي العصر الحجري الي تهديدات ايرانيه باغلاق مضيق باب المندب بالاضافه الي مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقه في كافه دول الخليج وحقول الغاز الاسرائيليه بالاضافه الي استهداف خطوط الانترنت تحت مياه الخليج وهو ما يعني حرمان العالم من ٢٨ برميل بترول يومياً و ٣١ ٪ من امدادات الغاز و ٣٠٪ من امدادات الاسمده،و قطع الانترنت و خراب اقتصادي عالمي لن يستطيع العالم التعافي منه بسهولة و سيؤثر بالتأكيد علي الاقتصاد الامريكي الذي يعاني بالفعل الأمر الذي سيؤثر ايضا علي مدي نجاح ترامب في فترة حكمه المتبقية في اتخاذ القرارات بعد أن وصل الأمر لمحاولات لعزله و تزايد الاحتجاجات داخل امريكا ضده بل ووصل الأمر لسؤال من أحد المراسلين في البيت الابيض لترامب نفسه حول ما يقال عن صحته العقلية و النفسية الغير مستقرة،
و نتيجة هذا التصعيد لم تعد المواجهة مجرد نزاع بين إيران والولايات المتحدة و إسرائيل، بل تحولت إلى صراع يهدد النظام العالمي للطاقة والغذاء والاتصالات الرقمية…معركه علي استقرار العالم بأسرهو لهذا جن جنون ترامب و هدد بمحو الحضارة الإيرانية، فعلت ايران تهديداتها و المحت الي استعدادها بقطع كابلات الانترنت التي ستؤثر علي تواصل الانترنت في العالم كله الامر الذي قد يصيب العالم بالشلل و اولهم امريكا و يهدد مصالح واحدة من أكبر القوي الاقتصادية المساندة لترامب و هى شركات التكنولوجيا، كلها أوراق ضغط إيرانية لم يعمل لها ترامب حساب قبل بدء تلك العمليات العسكرية حيث هيئ له نتنياهو ان هذه حرب سهلة وإسقاط الرؤوس للقيادات الإيرانية سيسقط النظام و يجعل الإيرانيين يثورون علي نظام الملالي و تعم الفوضي إيران و لكن الإيرانيون قرروا التواجد عند الجسور و المفاعلات الإيرانية بعد تهديد ترامب بمحو الحضارة الإيرانية، حتي بعض الإيرانيين في الخارج قرروا العودة لحماية بلدهم ، و حتي بابا الفاتيكان نفسه انتقد تلك الحرب حتي لا يسمح لمن حول ترامب بتشبيهه بالمسيح ، أصبح ترامب وحيدا ليس معه الا نتنياهو ،العالم كله ضده حتي في الداخل الأمريكي تزايدت الانتقادات و السخرية منه الامر الذي سيكون له تأثيره علي انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بمجلسيه النواب و الشيوخ في نوفمبر القادم،
و المشكلة ان إسرائيل لا تريد لهذه الحرب ان تهدأ حيث ضربت جنوب لبنان مجددا و قتلت العشرات من المدنيين اللبنانيين علي الرغم من بدأ الهدنة بحجة أن لبنان ليست في الاتفاق ، إسرائيل تسعي بكل قوة لاستفزاز إيران للرد عليها و إفشال محاولات وقف إطلاق النار و إعادة امريكا للمواجهة مع إيران، فمتي يدرك الأمريكيون ان مشكلتهم الحقيقية في الشرق الأوسط هي في إسرائيل و سياستها العدوانية القذرة و ليس في العرب و لا الإيرانيين ، سياسات حكومة نتنياهو هي المشكلة الأكبر لأمريكا، أما أن الأوان للتخلص من نتنياهو و اتباعه لمصلحة امريكا أولا ؟
فكلما زاد الحديث عن اتفاق للتهدئة او التفاوض الجاد بين ايران و الولايات المتحدة علي مدي الاسبوعين الماضيين كلما سارعت إسرائيل بمهاجمة مواقع مدنية في إيران لحثها علي الرد و إيقاف كل الجهود للتهدئة، مصر طبقا لموقع اكسوس كان لها دور بارز في التهدئة بجانب باكستان و تركيا وربما سلطنة عمان في بدايات التفاوض ، و انا اعلم بحكم تغطيتي لنشاط وزارة الخارجية علي حجم المجهود الكبير و الاتصالات المكثفة الذي قامت بها مصر و الاتصالات التي لم تتوقف للوزير د. بدر عبد العاطي وزير الخارجية مع الجميع ، و قد أدركت مصر كل محاولات تل ابيب لاطالة امد الحرب لتحقيق أهداف إسرائيلية ، و لهذا فان الاتصالات المصرية لم تسعي فقط لإقناع امريكا و إيران بالتهدئة و لكن ايضا سعت لإقناع كل الدول الأخري التي قد يستمع لها أيا من الأطراف سواء الإيراني او الأمريكي او الإسرائيلي للتهدئة تمهيدا لوقف الحرب ،و قدمت مصر و معها باكستان و تركيا أفكار خلاقة للوصول الي اتفاق ، إيران من ناحيتها وجهت ضربات منذ بداية الحرب ضدها علي دول الخليج و الاردن سعيا لان تمارس تلك الدول الضغوط علي امريكا لايقاف الحرب الا ان ذلك كان خطأ كبير في تقديرات الموقف ،و لهذا كانت الخطوة التالية لايران و هي ايقاف الملاحة في مضيق هرمز و هو أمر يوقف سلاسل الإمداد للمواد الغذائية و البترولية للعديد من دول العالم و يؤثر علي الاقتصاد العالمي كله ،و هي ورقة رابحة في يد طهران أتت ثمارها وزادت من الضغوط علي الإدارة الأمريكية، مضيق هرمز كان مفتوحا قبل الحرب و لم تفكر إيران في فرض اى رسوم علي مرور السفن من خلاله لانه لا حق قانوني لها في ذلك ، الآن طهران تطرح أفكار لفرض رسوم عالية علي السفن للمساهمة في إعادة إعمار ايران بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية، هي ورقة قوية تسيل لعاب إدارة ترامب بإمكانية جني الأموال لتعويض خسائرها في الحرب و في المقابل ضغطت واشنطن علي طهران بمهاجمة جزيرة خرج التي تستخدها إيران في تصدير معظم نفطها ، و بالتالي زاد كل طرف من أوراقه للتفاوض ، و نجحت الجهود المصرية والباكستانية و التركية بالإضافة إلي جهود سلطنة عمان في بداية المفاوضات الي الوصول لتهدئة لمدة أسبوعين تمهيدا للوصول الي وقف الحرب، و يبقي الأمل ان تتوقف حكومة بنيامين نتنياهو عن استفزاز إيران سعيا لإفشال اى محاولات للتهدئة حتي لا تشتعل المنطقة و يتم جرها بأهداف إسرائيلية للخراب و بالتالي التأثير علي العالم كله أمنيا و اقتصاديا، فإسرائيل ينطبق عليها المثل المصري( خربها و قعد علي تلها ) ،
و الأمر المؤكد أن العالم كله لن يكون في نفس النقطة التي بدأ منها قبل هذه الحرب ، اشياء عديدة ستتغير و يتعلم الجميع ان المهم ان يستطيع دائما كل طرف تجميع أوراق الضغط الاقتصادية المناسبة علي العالم و انه من المهم اجراء الحسابات الصحيحة قبل اتخاذ اى خطوات عسكرية و أمنية. دروس علينا جميعا أن نتعلمها حتي لا نجد أنفسنا مجرد مفعول به في المعادلة .